في سورية، لا تمثّل الأرقام مجرد إحصاءات باردة تُعرض في التقارير الدولية، بل هي قطع حية من لحم العائلات ودمها. خلف كل رقم حكاية جيل كامل جرى اقتلاعه، يمتد نزيفه خطاً مستقيماً من جرح حماة عام 1982 وصولاً إلى مأساة العقد الأخير.
عندما يفقد بيت واحد الخال، والأخ، والعم، والزوجة، وأولاد العم، والأحفاد الصغار، فإننا لا نتحدث عن رحيل عابر، بل عن زلزال ضرب بنية المجتمع السوري وحوّل شجرات عائلاته إلى شواهد من وجع خالص. هذا هو التوصيف الأدق والأقسى للمأساة السورية: أن تُعمم مأساة عائلة الطبيبة وبطلة الشطرنج رانيا العباسي لتصبح القاسم المشترك الأعظم بين مئات آلاف البيوت.
إن استقراء هذا النزيف يوضح حقيقتين تاريخيتين في هندسة الإبادة عبر الأجيال:
توارث الجرح:
ما حدث في حماة قبل عقود لم يكن حدثاً معزولاً، بل كان "البروفة" الدموية الأولى التي أسست لشرعية العنف لاحقاً؛ فمن أفلت من مقصلة الأب، طالته محرقة الابن.
الفقدان الأفقي والعمودي:
لم يأخذ الموت فرداً ويترك البقية للمواساة، بل ضرب العائلات طولاً وعرضاً؛ حصد الأجداد، والآباء، والأحفاد، في محاولة متعمدة لإفراغ المستقبل من أصحابه.
في هذه البلاد، لا توجد عائلة تملك اليوم ترف العزاء الكامل، لأن كل باكٍ لديه في بيته أكثر من متبكًّى عليه، وتحولت البيوت إلى متاحف شخصية لصور الراحلين وألم الذكريات.
هذا القياس الجماعي للوجع يعني أننا أمام شعب خضع لعملية اقتلاع ممنهجة.. لكن هذه التضحيات، ورغم قسوتها، هي صك الملكية الحقيقي لسورية المستقبل؛ الأرض التي دُفع فيها أغلى ما يملكه البشر لن تنبت مجدداً إلا عدالةً، وقد حان الوقت لقطافها عبر عدالة انتقالية حقيقية تُنصف الضحايا وتُحاسب القتلة.
تيسير الكوجك - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية