منذ الأمس وأنا أتابع أخبار فيضان نهر الفرات، التي يتم تغطيتها عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بنفس طريقة تغطية أحداث الثورة السورية في سنواتها الأولى، حيث الفوضى في تداول الأخبار والصور ونداءات الاستغاثة، وسط تقصير واضح من المسؤولين الحكوميين، الذين اقتصرت بياناتهم على التحذيرات وحصر الخسائر فقط، بينما غاب صوت المسؤول الخبير، الذي يجب أن يبلغ الرأي العام ما الذي يحدث بالضبط وكيف يمكن مواجهة هذه الكارثة، والأهم من كل ذلك ما هي حدودها وإلى متى سوف تستمر.
ومما زاد من مأساة فيضان نهر الفرات على أبناء المنطقة وعلينا نحن البعيدين عنه آلاف الكيلومترات، هو التحليلات الصادرة عن مثقفي وإعلاميي "الجوب سنتر" في أوروبا، والتي وجد فيها البعض الفرصة للنيل من تركيا، مدعين أنها فتحت بوابات سدودها بدون تنسيق مع الجانب السوري، وبما يعكس استهانتها بالحكومة والشعب السوري.. والحقيقة أن تركيا أعلنت قبل أكثر من أسبوع عن نيتها فتح بوابات السدود على نهر الفرات، بعد أن وصلت طاقتها التخزينية إلى حدودها القصوى، وأعتقد أنها أبلغت الجانب السوري بهذا الأمر، لكن المشكلة هي عندنا، أننا استسلمنا لفكرة أن هذا النهر لن يعود عظيماً كما كان.
أذكر في العام 2006، أي قبل نحو عشرين عاماً، طلبت مني إحدى المجلات الخاصة في سوريا أن أنجز تحقيقاً عن نهر الفرات، بعد أن وصلتهم معلومات عن ارتفاع نسبة التلوث في مياه النهر، وهو ما كان يسبب مشاكل كبيرة للمزروعات والسكان على ضفتي النهر.
وبالفعل شددت الرحال إلى دير الزور ومكثت هناك لمدة أسبوع، تجولت خلالها على طول سرير النهر، وعلى مسافة نحو 200 كيلومتر، أخذت خلالها عينات من مياه النهر، الذي كان عبارة عن ساقية آسنة مملوءة بالأعشاب والحشرات الضارة، وحللتها في أحد المختبرات بمساعدة مدير البيئة في المحافظة آنذاك، والذي طلب مني ألا أذكر اسمه ودوره على الإطلاق؛ خوفاً من غضب أجهزة المخابرات التي سوف تعتبره محتجاً ومعادياً للحكومة التي يتقاضى راتبه منها.
كانت نتائج التحليل كارثية بكل معنى الكلمة، وتقترب من جريمة الإبادة الشاملة بحق السكان المحليين، بينما أبلغني مدير البيئة أنهم أرسلوا الكثير من الكتب والنداءات إلى السلطات العليا في دمشق التي تحذر من كارثة تلوث نهر الفرات، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء على الإطلاق.
ومما أذكره أثناء العمل على التحقيق في دير الزور، أن المحافظ علم بوجودي، فأرسل خلفي يطلب رؤيتي، وأخذ يفاوضني على عدم نشر معلومات تحليل مياه النهر؛ خوفاً على السلم الأهلي بحسب قوله، ووعدني أنه سوف يقوم بنفسه بتبني قضية النهر وبحثها على أعلى المستويات مع المسؤولين في دمشق.
كانت المشكلة كلها يمكن حلها من خلال الطلب من السلطات التركية أن تسمح بتمرير كمية أكبر من المياه عبر نهر الفرات وبما يؤدي إلى جريانه بغزارة أكبر، إلا أنه وبحسب ما علمت حينها، أن هذا الأمر لم يحدث، وكانت هناك جهة تمنع التواصل مع تركيا لهذا الغرض، على الرغم من العلاقات المميزة بين البلدين في تلك الفترة.
قصة نهر الفرات وكما قرأتها في وجوه الفلاحين آنذاك وعبر عشرات السنين، كانت في أغلبها حزينة.. فإذا أصبح عظيماً أغرقهم، وإذا تحول إلى ساقية آسنة قتلهم..
فؤاد عبد العزيز - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية