أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أزمة بريد "السيد رئيس الجمهورية"؛ كيف تحولت الدولة إلى عنوان بريدي واحد

في الدول الناضجة تُرسل الرسائل إلى المؤسسات، وفي المجتمعات القلقة تُرسل الرسائل إلى الأشخاص، أما حين تمتلئ الصحف ومنصات التواصل برسائل مفتوحة إلى رئيس الجمهورية، فالقضية لا تعود قضية بريد، وإنما قضية وعي كامل يبحث عن الدولة في الطريق الخطأ.

في كل صباحٍ تقريبًا، تخرج من بين ضجيج الأخبار السورية رسالة جديدة إلى رئيس الجمهورية؛ رسالة من متقاعد يبحث عن حق ضائع بين المكاتب، ورسالة من موظف يشتكي مديره، ورسالة من مثقف يقترح إصلاحًا، ورسالة من أم فقدت قدرة المؤسسات على سماع صوتها... تختلف الموضوعات وتتباين اللغة وتتباعد المقاصد، لكن العنوان يكاد يبقى واحدًا: "رسالة إلى السيد رئيس الجمهورية".

ومع تكرار المشهد تتولد في الذهن أسئلة أكبر من مضمون الرسائل نفسها؛ ما الذي يجعل ملايين المواطنين يرون طريقهم إلى الدولة عبر شخص واحد؟ كيف تتحول دولة كاملة، بوزاراتها وإداراتها وهيئاتها ومحافظاتها وأجهزتها وموظفيها، إلى عنوان بريدي واحد؟ ولماذا يشعر كثير من الناس أن قضيتهم لم تبدأ فعلًا إلا عندما تصل إلى أعلى نقطة في الهرم؟

المثير في الأمر أن معظم هذه الرسائل لا تتحدث عن الرئيس بقدر ما تتحدث عن المؤسسات. إنها في جوهرها شهادات غير مكتوبة عن العلاقة بين المواطن والجهاز العام. حين يكتب إنسان رسالة مفتوحة إلى رأس الدولة بسبب حفرة في طريق، أو معاملة متوقفة، أو خطأ إداري، أو قضية محلية صغيرة، فإن الرسالة تكشف شيئًا يتجاوز موضوعها المباشر. إنها تعلن، بطريقة غير مقصودة أحيانًا، أن السلسلة الطويلة التي كان يفترض أن تعالج المشكلة فقدت قدرتها على إقناع صاحب الشكوى بأنها قادرة على الفعل.

في لحظة ما، يتوقف المواطن عن مخاطبة المؤسسة، ويبدأ بمخاطبة الرمز. يتوقف عن البحث عن إجراء، ويبدأ بالبحث عن استثناء. وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات عمقًا في المجتمعات العربية. فالناس يشتكون من مركزية السلطة، ثم يعيدون إنتاجها كل يوم دون أن يشعروا.

في الوعي الجمعي العربي صورة قديمة تسكن الأعماق منذ قرون طويلة. صورة الحاكم الذي يستطيع أن يصلح كل شيء إذا علم، والخليفة الذي يكفي أن يسمع حتى تتحرك الدولة كلها. وقد تركت هذه الصور أثرًا بالغًا في المخيال السياسي والاجتماعي، حتى أصبحت جزءًا من الطريقة التي يتصور بها الناس معنى الحكم نفسه.

لكن الزمن الذي ولدت فيه تلك الصور لم يعد موجودًا. فالمدينة التي حكمها الفاروق عمر لم تكن دولة حديثة تضم جيوش الموظفين وملفات التعقيدات المتشابكة، وإنما بيئة مختلفة وطبيعة إدارة من زمن آخر. غير أن الوعي الإنساني يحتفظ بالصور أكثر مما يحتفظ بالشروط التي أنتجتها. ولهذا تنتقل النماذج عبر التاريخ بينما تبقى الظروف التي صنعتها خلفها بقرون.

ومع ذلك فإن تفسير الظاهرة بالتاريخ وحده لا يكفي. فهناك بعد نفسي لا يقل أهمية. فحين يكتب إنسان رسالة إلى أعلى سلطة في البلاد، فإنه لا يطالب بحل مشكلة فحسب. إنه يمنح نفسه موقعًا رمزيًا داخل المشهد العام. فالعنوان ذاته يحمل جاذبية خاصة. "رسالة إلى السيد الرئيس". إنها عبارة تمنح صاحبها شعورًا بأنه تجاوز حدود الحياة اليومية المعتادة. أنه يخاطب مركز القرار. أنه يشارك في صناعة الشأن العام. أنه موجود ومرئي ومسموع. 

ولهذا تختلط داخل بعض الرسائل رغبات وحاجات متعددة؛ الإصلاح، والتأثير، والاعتراف، والظهور، والشعور بالأهمية. فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده، ولا بالحقوق وحدها، وإنما يعيش أيضًا بحاجة عميقة إلى أن يشعر أنه مرئي وأن صوته يحدث أثرًا في العالم.

لكن الأهم من كل ذلك أن هذه الظاهرة تكشف مأزقًا أعمق يتعلق بفهم الدولة نفسها. فالدولة الحديثة ليست شخصًا. إنها شبكة معقدة من الإجراءات والقوانين والمؤسسات والعلاقات والصلاحيات والمسؤوليات. وكلما نضجت المجتمعات أصبح حضور الأفراد أقل من حضور الأنظمة. وأصبح نجاح الدولة مرتبطًا بقدرتها على العمل حتى عندما يغيب الأشخاص. فالقيمة الحقيقية لأي مؤسسة لا تظهر عندما يكون في قمتها قائد استثنائي، وإنما عندما تستمر في أداء وظائفها بكفاءة في الظروف العادية.

لهذا السبب لا تقاس قوة الدول بعدد التدخلات العليا التي تحتاجها، وإنما بعدد القضايا التي تُحل قبل أن تحتاج إلى تدخل استثنائي. فالاستثناء حين ينجح مرة قد يصبح نموذجًا ذهنيًا يُعاد إنتاجه ألف مرة. وعندما يتكرر ذلك طويلًا يبدأ الوعي العام بالاعتقاد أن الحلول تسكن في القمة، بينما بقية البنية مجرد ممرات انتظار.

ومن منظور أعمق، تكشف هذه الظاهرة إحدى السنن الكبرى. فالناس يتشكل وعيهم وفق ما يختبرونه، لا وفق ما يقال لهم. إذا نجحت مؤسسة في حل مشكلاتهم مرات متكررة، تنمو الثقة بها تلقائيًا. وإذا تعطلت مرات متكررة، يبدأ البحث عن طرق التفافية. ثم تتحول الطرق الالتفافية إلى ثقافة. ثم تتحول الثقافة إلى قناعة. ثم تصبح القناعة جزءًا من تعريف الناس للواقع نفسه. 

وربما تكتسب هذه الظاهرة في سوريا معنى إضافيًا يتجاوز مضمون الرسائل نفسها. فالمجتمعات الخارجة من التحولات الكبرى لا تعيد بناء طرقها وجسورها ومؤسساتها فقط، وإنما تعيد بناء صورها الذهنية عن الدولة أيضًا. وخلال هذه اللحظات الانتقالية تتجاور في الوعي أنماط متعددة من التفكير؛ أنماط ولدت في زمن كانت فيه الدولة تُرى من خلال مركزها، وأخرى تريد رؤيتها من خلال مؤسساتها. ولهذا تبدو بعض الرسائل وكأنها تنتمي إلى زمنين في آن واحد؛ زمن يبحث عن الحل في أعلى الهرم، وزمن يتطلع إلى أن تصبح القضايا العامة جزءًا من عمل طبيعي تؤديه المؤسسات دون حاجة إلى مناشدات استثنائية. ومن هذه الزاوية لا تكشف الرسائل عن مشكلات المواطنين فحسب، وإنما تكشف أيضًا عن المسافة التي ما تزال تفصل بين الدولة كما يتخيلها الناس، والدولة التي يسعون إلى بنائها.

فعندها لا يعود المواطن يكتب إلى الرئيس لأنه يريد تجاوز المؤسسة فقط، إنه يكتب لأن وعيه أصبح مقتنعًا أن الطريق الطبيعي يمر من هناك. وهذه هي اللحظة التي تتحول فيها الظواهر الفردية إلى أنماط حضارية مستقرة.

لذلك فإن السؤال الذي تطرحه رسائل المواطنين ليس سؤالًا عن الرئيس وحده؛ إنه سؤال عن الثقة، عن المؤسسة، عن الوعي، عن معنى المسؤولية العامة، عن العلاقة بين الإنسان والدولة، عن الكيفية التي تتشكل بها الصور الذهنية للحكم عبر عقود طويلة من التجارب المتراكمة.

فالرسالة المفتوحة التي تبدو للوهلة الأولى مجرد نص عابر على وسائل التواصل قد تكون في حقيقتها مرآة صغيرة تعكس تاريخًا طويلًا من التفاعلات بين المجتمع والسلطة، وقد يكون الظرف البريدي الموجه إلى رأس الدولة أكثر قدرة على كشف طبيعة الدولة من عشرات الخطب والبيانات الرسمية؛ لأن الشعوب، في النهاية، لا تكتب رسائلها إلى حيث ينبغي أن تكون الحلول. إنها تكتبها إلى حيث تعتقد أن الحلول موجودة بالفعل. وهنا بالضبط تبدأ الحكاية التي تستحق التأمل. ورحم الله الإفوه الأودي إذ يقول:
وَالبَيتُ لا يُبتَنى إِلّا لَهُ عَمَدٌ ... وَلا عِمادَ إِذا لَم تُرسَ أَوتادُ
فَإِن تَجَمَّعَ أَوتادٌ وَأَعمِدَةٌ ... وَساكِنٌ بَلَغوا الأَمرَ الَّذي كادوا
لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم ... وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادوا

أيمن قاسم الرفاعي - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي