أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

سوريا: قصة مدينتين

في رواية (قصة مدينتين) لكاتبها (تشارلز ديكنز) أحد أعظم الروائيين الانكليز، أراد ديكنز أن يقارن بين مدينتي لندن وباريس، أو أراد بروايته تلك أن يوجه رسالة إلى لندن، رسالة تقمص فيها ديكنز شخصية المتنبئ بما قد يحدث للندن إن هي لم تسارع للتغيير.

كانت رواية ديكنز تتحدث عن باريس ما قبل ثورة 1789 وباريس مابعد الثورة، باريس ماقبل الثورة حيث (الطبيب مانيت) قابع في سجن الباستيل، وهو يصنع الأحذية هرباً من واقعه القاسي، كونه الشاهد على قتل عائلة فلاح فرنسي من قبل (الماركيز ايفرموند)، باريس ماقبل الثورة حيث يلعق الفقراء خمراً تم سكبه في الشارع، باريس ماقبل الثورة حيث دية دهس صبي لايعادل قطعة نقود، وأهم مافي باريس ماقبل الثورة هو (مدام دوفارج)، وهي تحيك بالصوف أسماء أعداء الثورة أو من سيتم اقتيادهم للمقصلة فيما بعد، أما باريس مابعد الثورة فهي دماءتلون نصل المقصلة، إنها الدماء التي تم أخذها منقائمة (مدام دوفارج) الصوفية –نسبة إلى الصوف- ، و هناك دماء أخرى هي دماء هستيرية هاجسها الثأر وهي تجري بدون توقف في عروق الثوار.

لم يكن (الطبيب مانيت) ليعلم أن ابنته (لوسي) ستتزوج واحداً من سلالة (الماركيز ايفرموند) هو (تشارلز دارنلي) والذي غير اسمه تنصلاً منأفعال سلالته، أليس (الماركيز ايفرموند) هو نفسه من كان سبباً في استضافة (الطبيب مانيت) ثمانية عشر عاماً في سجن الباستيل، كما لم يكن المحامي الانكليزي (سيدني كرتون) وهو الشبيه لتشارلز ليعلم بأن حبه للوسي التي لم تكن تحبه سيغسل روحه اللامبالية والعبثية ويعود في نهاية الرواية كما مسيح ليفدي بروحه ذلك الحب ويبشر بالمستقبل.

كانت رواية (ديكنز) قدرية في خطواتها، فالقدر هو من أعاد (تشارلز دارنلي) إلى فرنسا لتقوده (مدام دوفارج) إلى حكم المقصلة، ولتبدأ أحداث الرواية بالتسارع وهي تعود بك إلى الماضي. كانت شخصيات (ديكنز) تحمل الوجهين معاً: الخير والشر، الشر المتمثل في الثأر الذي حمله ثوار فرنسا معهم في مرحلة مابعد الثورة، و ماعليك أنت كقارئ إلا أن تختار، هل تقف مع (الطبيب مانيت) وهو يخط في مذكراته في الباستيل عبارته: (لعن الله عائلة إيفرموند، هم ونسلهم، إلى آخر عرقهم، على ما ارتكبوه من ظلم)، نعم لقد لعن مما قاساه كل نسل عائلة (إيفرموند)، أم هل تقف مع (الطبيب مانيت) الأب الحنون مابعد الثورة، والذي ينسيه حبه لابنته (لوسي) ثأره القديم، إلا أنك لابد أن تصل إلى قمة الحيرة في الاختيار مع شخصية (مدام دوفارج)، من كانت تحمل ثأرها لسنين طويلة في داخلها، ثأرها في كونها الفتاة الوحيدة المتبقية لعائلة الفلاح الفرنسي التي قتلتها يد (الماركيز ايفرموند) والذي شهد على ذلك (الطبيب مانيت)، إنه ذلك الثأر الذي لايعرف حدوداً، هو الصبر الذي يتفجر حقداً لا يميز أحداً مهما كان ذنبه، حقد (مدام دوفارج) الذي يحاول أن يصل إلى ابنة (تشارلز دارنلي) الصغيرة من زوجته (لوسي)، تلك الصغيرة التي لاتحمل ذنباً سوى أنها من نسل سلالة (ايفرموند) التي لاتعرفها. هذا هو الأدب الواقعي والذي أجمل مافيه أنه يضعك أمام اختيار يصرخ في وجهك: أيهما تختار الحب أم الحقد؟، حب (الطبيب مانيت) أم حقد (مدام دوفارج)، والأدب لايختار لك بل قمة الأدب هو من يجعلك تصاب في انفصام بالشخصية وهو يطلب منك أن تختار الآن.

وبعيداً عن رواية (ديكنز) فإن الثورة الفرنسية حملت الكثير، لقد حملت التغيير للعالم في مبادئها حول الحرية والمساواة، ولكنها أيضاً حملت الحقد وحملت الاستبداد. لقد وصل حقد (مدام دوفارج) في الثورة الفرنسية في أن يتم إعدام علماء باسم الثورة، كقطع رأس (أبو الكيمياء الحديثة) العالم (لافوازييه) لأنه كان موظفاً في العهد القديم، وحين تم قطع رأسه قيلت العبارة الشهيرة: (لقد استغرق الأمر لحظة لقطع هذا الرأس، وقد لا تكفي مئة سنة لإنتاج مثله). أما الاستبداد فقد تمثل في استبداد المحامي الثائر (روبسبير) حين قاد رفاقه الثوار الآخرين إلى المقصلة من أمثال (دانتون) المحامي وخطيب الثورة، والذي اتهمه (روبسبير) بأنه من (الفلول) ويحاول إعادة الملكية، وكذلك تم إعدام (ديمولان) الصحفي وصديق طفولة (روبسبير) الذي أعدم في نفس اليوم مع (دانتون) لنفس التهمة. لقد أعدم (روبسبير) الثوري المستبد في عهده أكثر من15000فرنسي خلال 10 أشهر، وكثير منهم ثوريون سابقون، قبل أن ينتهي به الأمر إلى المقصلة ذاتها، لذلك جاءت العبارة الشهيرة: (الثورة أكلت أبناءها).

وهانحن اليوم أمام قصة مدينتين مرة أخرى: سوريا قبل الثورة وسورية بعد الثورة،فإن هي إلا دعوة للسوريين ألا يتركوا مكاناً بينهم لمدام (دوفارج)، فيطغى حقدها على مبادئ ثورتهم العادلة لا الحاقدة، ويضيع منكم حب (الطبيب مانيت).

وهي دعوة للنظام الجديد ألا يطيل البدء بإجراءات العدالة الانتقالية، حتى لايضيف (حقد دوفارج) دماء بريئة جديدة.

وياأيها السوريون لاتتركوا مكاناً بينكم للمستبد الثائر (روبسبير)، فيعيد لكم الاستبداد الذي كانت ثورتكم ضده، الاستبداد الذي لايأتي إلا بالفساد الأخلاقي والقيمي والدمار المادي والمعرفي والتنموي.

يقول المثل العربي: (تموت الحرة ولا تأكل بثدييها)، كدلالة على تمسك الحرة بكرامتها وعفتها، ومع الجوع (لاكرامة)، ومع الحقد (لاكرامة)، ومع الاستبداد (لاكرامة)، فكونوا ضد كل من يدفعكم للجوع وللحقد وللاستبداد، حتى لاتصلوا إلى لحظة تنسون أنكم أحرار وتأكلون أثداءكم. 

د. مصطفى حسين بطيخة - زمان الوصل
(9)    هل أعجبتك المقالة (9)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي