أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

لماذا غاب الاحتفال بعيد الجلاء؟

يمثل عيد الجلاء محطة وطنية مفصلية في تاريخ سوريا، إذ يرمز إلى نهاية الانتداب وبداية السيادة الوطنية. غير أن غياب مظاهر الاحتفال الرسمي بهذه المناسبة يطرح تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام ظرف مرحلي؟ أم أمام تحول أعمق في طريقة التعامل مع الرموز الوطنية؟

أولًا- في منطق الدول لا تُعد المناسبات الوطنية مجرد طقوس بروتوكولية، بل أدوات دستورية ومعنوية لترسيخ الهوية المشتركة وتعزيز الانتماء. وتجاهل مناسبة بحجم عيد الجلاء لا يمكن قراءته كتفصيل عابر، بل كإشارة لها دلالاتها في الوعي العام.

ثانياً- قد يُفسَّر هذا الغياب في سياق أولويات سياسية ضاغطة: الأمن، الاقتصاد، وإعادة ترتيب المؤسسات. غير أن هذه التحديات، من منظور قانوني وسياسي، لا تُلغي الحاجة إلى الرموز، بل تجعلها أكثر إلحاحاً؛ لأن المراحل الانتقالية تُبنى على إعادة الثقة، لا على الفراغ الرمزي.

ثالثاً- ثمة بُعد سياسي يتعلق بإعادة تشكيل السردية الوطنية، حيث تميل بعض السلطات إلى إبراز رموز تتوافق مع خطابها، مقابل تراجع حضور رموز أخرى. وهنا تكمن الإشكالية: هل تصبح الذاكرة الوطنية خاضعة للانتقاء السياسي؟

وبالنتيجة، يمكن القول إن استذكار عيد الجلاء لم يكن يوماً تقليداً فرضه نظام سياسي بعينه، ولا سنة سنّها نظام البعث أو غيره، بل هو إرث وطني أرساه الوطنيون الأحرار، كتعبير عن استقلال الدولة وكرامة شعبها. والمسألة لا تتعلق باحتفال بروتوكولي، بل بمكانة الذاكرة الوطنية في السياسات العامة. فالدول التي تمر بمراحل حساسة تكون بأمسّ الحاجة إلى ما يوحدها، والرموز الوطنية —وفي مقدمتها عيد الجلاء— ليست ترفاً، بل ضرورة سياسية وقانونية.

السؤال الحقيقي ليس لماذا غاب الاحتفال، بل كيف نعيد الاعتبار لما يجمع السوريين، في وقت هم بأمسّ الحاجة إلى سردية وطنية جامعة تؤسس للمستقبل.

محمد العبدالله - زمان الوصل
(11)    هل أعجبتك المقالة (10)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي