في مقال سابق تم نشره على (مكتبة حسين بطيخة الالكترونية) بعنوان (أيها السوريون: احذروا الدمناء)، قمت بتلخيص مقدمة كتاب (كليلة ودمنة) لعبد الله بن المقفع، والذي ترجمه عن الحكيم الهندي (بيدبا)، وأعيد التذكير بها لأهميتها.
تدور المقدمة حول أربع شخصيات رئيسة، أولها الأسد الملك صاحب القوة والغلبة والسلطان، سيد الغابة الذي تأتمر بأمره السباع، أما ثانيها فهو الثور (شتربه) صاحب الرأي والعقل والخلق والنبل والأمانة، كما تتناول المقدمة أخوين من بني آوى، حيث (كليلة) الطيب والناصح لأخيه دوماً، و(دمنة) الأشر نفساً وجامع الصفات الردية. لقد صادق الأسد الملك الثور الحكيم أي صداقة فقربه منه وائتمنه على أسراره حتى وقع ذلك في نفس (دمنة) الذي قرر -ورغم نصح أخيه كليلة بالعدول عن أفكاره الشيطانية- أن يوقع بينهما بمكره وخبثه، فانتهى الأمر بالأسد الغضوب والذي أنيابه تسبق عقله أن يقتل الثور (شتربه) وحكمته التي لايجد مثلها في مملكته، وماهي إلا أيام حتى ندم على فعلته، وزاد ندمه عندما اكتشف في نهاية القصة كيف ضحك عليه (دمنة) وأفقده العقل الذي يحمله (شتربه). أما (كليلة) فقد غادر أخوه (دمنة) نزولاً عند حكمة العقلاء: (اجتنبوا أصحاب الفجور وإن كانوا أصحاب قرابتك، فصحبة الأخيار تورث الخير وصحبة الأشرار تورث الشر، كالريح إذا مرت على النتن حملت نتناً وإذا مرت على الطيب حملت طيباً).
هذا كان من خبر (دمنة) ابن المقفع والحكيم الهندي (بيدبا)، فماذا عن دمناء (جمع دمنة) الحالة السورية اليوم؟
لقد تحدثت في مقالات عدة سابقة عن العصبيات وآخرها تم نشره على زمان الوصل بعنوان (فزعات العصبيات الفرعونية)، من حيث أن العصبية هي جماعة من لون واحد ينتمي أفرادها لحدث تاريخي ديني أو اجتماعي أو مناطقي أو قومي أو عرقي، وإن العصبوي المتطرف هو من أتباع نظرية الاصطفاء الإلهي، من حيث أن الله فضل عصبيته على العالمين، فعصبيته هي الراعي والعصبيات الأخرى هم القطعان، وعصبيته هي الولي والعصبيات الأخرى هم الأتباع، وعصبيته لاتُسْأَلُ عما تفعل والعصبيات الأخرى هم من يُسْأَلُون، ولأن العصبوي المتطرف يعتقد أن عصبيته هي ظل الله على الأرض فهو يقوم بالقتل أو بالفرح أو إيجاد مبرر لقتل أو اضطهاد نساء وأطفال ومدنيين عزل ينتمون لعصبية أخرى، فهو لايرى غير عصبيته الحق، فينشأ معه مفهوم الايديولوجيا الأممية (راجع مقالي على عنب بلدي بعنوان: الايديولوجي الأممي واليوم الأخير)، وينشأ مع هذا العصبوي المتطرف مفهوم الوطن العصبوي، ويتم قتل مفهوم وطن الاختلاف والتشاركية (عن مفهوم الوطن راجع مقالي على زمان الوصل بعنوان: الايديولوجيات الأممية وقتل الوطنية)، وفي هذا الوطن العصبوي يكثر (الدمناء) من يحرضون على صاحب الرأي والعقل (شتربه) حتى وإن كان ينتمي لنفس العصبية غير أنه لم يشرب من نفس مياه مستنقع التطرف الآسنة.
إن العصبوي المتطرف (دمنة) يعمل جاهداً على إنكار الحالة الوطنية التشاركية لجميع العصبيات التي يضمها الوطن، ففي سوريا مثلاً يقوم هذا (الدمنوي) بوصف مراحل الحالة الوطنية بمرحلة ضعف، لغياب سلطوية واستبداد عصبيته (حول المراحل الوطنية السورية يمكن مراجعة مقالي: الايديولوجيات الأممية وقتل الوطنية). تخيلوا أن أحد (الدمناء) ينكر على سلطان باشا الأطرش الدرزي قيادة الثورة السورية العام 1925. إن هذا (الدمنة) نسي أن كثيرين من (أبناء العصبيات السنية) قد أرخوا لهذه الثورة في مذكراتهم. يؤرخ الدكتور عبد الرحمن الشهبندر للثورة السورية في مذكراته لمعارك كالمزرعة والمسيفرة والتي كانت بقوة درزية خالصة بقيادة سلطان باشا، ويتابع الشهبندر كيف أن قوى درزية رافقت جميع معارك الثورة السورية على اتساع جغرافيتها فدخل 100 درزياً من أصل 400 مقاتل (25% دروز، وهذا أكبر بكثير من نسبة الدروز في سوريا) إلى دمشق تحت قيادة الأمير نسيب البكري، وكذلك كانت قوة من 80 درزياً في يلدا وببيلا، وكذلك الأمر في النبك واللجاة في حوران. لقد حمل الدروز دماءهم إلى سوريا واليوم يدوس دمناء العصبيات القاتلة على صور سلطان باشا الأطرش وعلى شرف الثورة السورية الذي حمله هذا القائد. لقد نسي هذا (الدمنة) تخصيص أمير الشعراء (أحمد شوقي) من العصبية السنية لفعل الدروز إبان الثورة السورية بالقول:
لَهُم جَبَلٌ أَشَمُّ لَهُ شَعــافٌ مَوارِدُ في السَحابِ الجُونِ بُلقُ
لِكُلِّ لَبوءَةٍ وَلِكُـــلِّ شِــبلٍ نِـضالٌ دونَ غــايَـتِـهِ وَرَشــقُ
كَأَنَّ مِنَ السَمَوأَلِ فيهِ شَيئًا فَــكُــلُّ جِهاتِهِ شَرَفٌ وَخَــلقُ
ويأتينا (دمنة) آخر ينكر على الشيخ صالح العلي أنه قام بثورته ضد الفرنسيين، وكانت هي الثورة الأولى ضدهم في العام 1918، وقد قام بالتأريخ لها مؤرخون من العصبيات السنية، فقد أورد المؤرخ والشاعر (خير الدين الزركلي) اسمه في كتابه (الأعلام) وأورد بعض معاركه ضد الفرنسيين والظفر بمعارك متتالية وتواصله مع ثورة (ابراهيم هنانو) العام 1921، وكذلك قاتل إلى جانبه الشهيد القائد (سعيد العاص) من العصبية السنية، أما الجنرال (غورو) فيسجل في تقريره لوزير الحربية الفرنسية آنذاك عن إنهاء الجبهة الساحلية العام 1921مايلي:
(بتأثير الدعاية الكمالية (يقصد مصطفى كمال أتاتورك) والإسلامية، حققت حركة العصيان بقيادة الشيخ صالح العلي اتساعاً لدرجة أصبح التدخل معها أمراً ضرورياً).
لقد مدحه الشاعر الكبير وأول رئيس لبناني بشارة الخوري (الأخطل الصغير) بقصيدة، جاء فيها:
يَا صَالِحَ بنَ عَلي هَل لَكَ فِي يَــدٍ فَلقَد وُجِدْتَ لِكَي تُغيثَ وَتَرْحَمَا
تَعبَ الجِّهَادُ مِنَ الطَّوَافِ فَلَمْ يَجِدْ شَــرَفاً أَعَــزَّ وَلامَقَـامَـاً أَكْـرَمَا
فَرَمَى الأَكَالِيْـلَ التي ضُفِـرَتْ لَـهُ لَـمَّــا رَآكَ مُـعَـمَّـمَاً وَتَـعَـمَّـمَـا
أما ماقالوه فيه آباء الاستقلال الأوائل من العصبيات السنية، أمثال شكري القوتلي وسعد الله الجابري وجميل مردم بيك فمنه الكثير.
إن العصبوي (دمنة) لايتخيل أن عصبيات أخرى قد شاركت في بناء الحالة الوطنية السورية (راجع العديد من الأسماء في مقالي: الايديولوجيات الأممية وقتل الوطنية).
ويجدر القول أن هذه الحالة (الدمنوية) ليست نتاج اليوم، وإنما هي نتاج مرحلة أسدية طويلة من الاستبداد والتغييب المجتمعي لرموزه ومثقفيه، ولكن الخناجر كانت مخبأة خلف الظهور.
على الوطن السوري أن يدرك أن القطب العالمي يعيد تشكيل المنطقة (راجع مقالاتي السابقة بهذا الخصوص وآخرها بعنوان: إيران: أهورامزدا ضد أهريمن)، وفي هذه اللحظات لايمكن النجاة إلا بالانتصار للحالة الوطنية بعيداً عن الايديولوجيات العصبوية الأممية، و هذا الأمر لن يتم إلا بإبعاد (دمناء) العصبيات واستدعاء شتاربها (جمع شتربه) العقلية والأخلاقية، وعلينا أن نعلم بأنه في اللحظات الفارقة في التاريخ كالأحداث اليوم تتم إعادة تشكيل الأوطان، فإما أن نكون أو لانكون.
د.مصطفى حسين بطيخة - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية