أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بين نشيد "الوزير" الصغير.. وقصيدة "أبو ريشة" الكبير

الشاعر السوري عمر أبو ريشة

بينما ينتظر السوريون من مؤسساتهم الثقافية صون الذاكرة الجمعية وحماية الهوية الوطنية، تطل علينا وزارة الثقافة ببدعة "المسابقات الرسمية" لتفصيل نشيد وطني جديد على مقاس المكاتب الضيقة، في مشهد يختزل مأساة الاستخفاف بالسيادة والقانون. 

إن إدراج اسم الوزير محمد ياسين صالح ضمن القائمة القصيرة للمرشحين ليس مجرد سقطة إدارية أو تضارب مصالح فج، بل هو إعلان صريح عن تحول الرموز الوطنية إلى "جوائز ترضية" وتلميع ذاتي، حيث ينصب المسؤول نفسه خصماً وحكماً، شاعراً ومقيّماً، في سابقة تكرس عقلية
"الإقطاعية الثقافية" التي تظن أن عقم الإبداع السوري قد وصل إلى حد لا يسده إلا قلم "سعادة الوزير". 

هذا التجاوز يوازيه خرق دستوري فاضح يضرب عرض الحائط بالمادة الخامسة من الإعلان الدستوري لعام 2025، فالنشيد الوطني رمز سيادي لا يُستولد في غرف التلحين الوزارية بقرار إداري عابر، بل يُحدد بقانون يصدر عن السلطة التشريعية ليعبر عن إرادة الشعب لا عن ذائقة لجنة معينة. 

إن القفز فوق المسار الدستوري لفرض واقع ثقافي جديد يعكس انفصاماً حاداً بين السلطة والوجدان الشعبي، الذي حسم خياره منذ أمد بعيد وانحاز لنشيد "في سبيل المجد" لشاعر الكبرياء عمر أبو ريشة؛ ذلك النص الذي لم يبحث عن "لجنة تحكيم" ليشرعنه، بل استمد مشروعيته من حناجر السوريين وتضحياتهم في الميادين، ليكون عصياً على الاستبدال بكلمات كُتبت بطلب رسمي وتفتقر لروح الأرض وعنفوان التاريخ. 

إن محاولة زحزحة إرث أبو ريشة لصالح نصوص "المحسوبيات" هي محاولة بائسة لتقزيم الرمزية السورية وتدجينها، فالأوطان لا تغني ألحان المكاتب، والشعوب لا تحفظ أناشيد المسؤولين التي تولد ميتة في سجلات الأرشيف. إن الإصرار على استكمال هذه المسرحية الهزلية لن ينتج نشيداً وطنياً، بل سينتج مجرد "قصيدة وزارية" ستبقى غريبة عن ذاكرة السوريين، الذين يدركون جيداً أن النشيد الصادق هو ما يُنتزع من رحم المعاناة والكبرياء، لا ما يُمنح بقرار يجمع بين الجهل بالقانون والتعالي على الذائقة العامة.

الحسين الشيشكلي - زمان الوصل
(8)    هل أعجبتك المقالة (9)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي