للأسف… وأقولها بحرقة صادقة…
إن المنطق – في مقام السياسة - الذي يستبدل المفهوم بالمجاز، ويستعيض عن المعيار بالعاطفة، يكشف خللًا في فهم طبيعة المجال العام، وحين تتعالى من أبناء السلطة حناجر تبريرية تُحسن زخرفة اللغة وليَّ أعناق الاقتباسات، غير واعية بسننية السياسة وصرامة القانون، فتظن أن الاستعارة تكفي لإقامة حجة، وأن حرارة الشعور تُغني عن برودة النظام، هنا يبدأ الضرر العميق بصورة الدولة، ويتآكل رصيد الثقة الذي يُفترض أن يكون رأس مال أي سلطة ناشئة.
لأنه حين يُقال: "في الدول الديمقراطية تعيين الأقرباء ليس ممنوعًا… وإذا استُشهد من العائلة الواحدة سبعة أو ثمانية لا يقولون إنهم أقرباء… وأنا عندما أصبح وزيرًا سأعيّن اثنين من إخوتي"، فنحن أمام خلطٍ بنيوي بين مجالين مختلفين، وتشويه مقيت لمفهوم الدولة.
إن استشهاد سبعة من عائلة واحدة فعل تضحية في المجال الأخلاقي؛هو ذروة في مقام البذل، ووسام في سجل الفداء. لكن تعيين اثنين من الإخوة في موقع سلطة هو قرار إداري في المجال العام؛ وهو تصرف يخضع لمعيار الكفاءة، وآليات المساءلة، وقواعد تضارب المصالح. وإن الخلط بين المجالين لا يُنتج خطابًا بليغًا مهما استثرنا به العواطف، وإنما يُحدث تشويشًا على مفهوم الدولة ذاته.
إن الفلسفة السياسية الحديثة نشأت مع تحرر المجال العام من الامتيازات العائلية. فالمنصب العام وظيفة مجردة، لا مكافأة عاطفية، ولا امتدادًا بيولوجيًا، ولا تعويضًا رمزيًا عن تضحيات. هو أمانة تُسند وفق معيار الاستحقاق العام، ولذلك سُنّت قوانين تضارب المصالح، وأُنشئت هيئات الرقابة، وكرّس مبدأ الشفافية، حتى لا تتسلل روابط الدم إلى حيث ينبغي أن يحكم القانون المجرد.
وإذا أردنا أن نذهب أبعد من الفلسفة السياسية وأسس الدولة الحديثة إلى جذورنا الإسلامية، فالمعيار أوضح: القرآن حين قرر أن الأمانات تُؤدّى إلى أهلها، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ﴾ وضع معيارًا وظيفيًا للاستحقاق لا عائلياً أو شخصياً.
وعمر بن الخطاب، حين طُلب منه أن يولي ابنه عبد الله، قال: “حسب آل الخطاب أن يُحاسَب منهم رجل واحد“. كان يدرك أن الشرعية السياسية لا تُختبر فقط بالعدل الفعلي، وإنما بصورته في وعي الناس.
وهذا ما غفل عنه عثمان للأسف رضي الله عنهم أجمعين.
حيث قدمت تجربة عثمان درسًا آخر في الحساسية الجماهيرية. فمكانته العظيمة في الإسلام لم تمنع أن تتشكل لدى قطاعات واسعة صورة ذهنية مستثارة عن توسعه في تولية الأقارب، فاهتز رصيد الثقة، وانفتح باب فتنة كبرى، إلى اليوم نحن ندفع ثمنها بعد الف واربعمئة سنة.
المسألة لم تكن في صلاح الأشخاص، وإنما في إدراك المجتمع للرمزية السياسية، فالذاكرة الجمعية لا تنسى.
بعد حنين، حين أعطى النبي ﷺ قريشًا والمؤلفة قلوبهم عطاءً واسعًا، وجد بعض الأنصار – وهم من هم في الإسلام وفي نصرة الرسول - في نفوسهم شيئًا، تساءلوا في دوائرهم الخاصة عن دلالة المشهد. النبي لم يُلغِ إحساسهم، ولم يتعامل معه بوصفه سوء ظن، وإنما خاطب وجدانهم، وأعاد بناء المعنى، حتى عادت الثقة أقوى مما كانت.
القيادة الواعية تقرأ حساسية الجمهور، ولا تستهين بإشارات قد تُفهم على أنها عودة إلى منطق الأهل والقرابة.
من باب أولى؛ في المجتمعات الخارجة من عقود من الاستبداد أو التوريث، تصبح أكثر يقظة تجاه أي صورة امتياز عائلي. هذه اليقظة ليست عيبًا نفسيًا، وإنما آلية دفاع اجتماعي نشأت من تجربة مريرة، والسياسة الرشيدة تراعي هذا العامل النفسي والاجتماعي بقدر مراعاتها للنص القانوني.
إن القضية إذن ليست في إمكان قانوني مجرد، ولا في نية شخصية، القضية في البنية التي نريد تثبيتها: مجال عام تحكمه الكفاءة والمساءلة، أم شبكة علاقات يُعاد فيها إنتاج الامتياز تحت عناوين مختلفة؟
الدولة ليست عائلة موسَّعة، والسلطة ليست رمزًا بيولوجيًا، والتضحية لا تتحول تلقائيًا إلى حق في الإدارة.
إن سننية السياسة وقوانينها تقتضي فصلًا واضحًا بين مقام الأخلاق ومقام السلطة، وبين حرارة الدم وبرودة القانون.
وعند هذا الحد يتحدد الفرق بين دولة تُبنى على ثقة متنامية، ودولة تُستنزف رصيدها الرمزي في معارك كان يمكن تجنبها بقدر من الحكمة والوعي بالبنية العميقة للمجتمع.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية