أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أطفال سوريا بين شهيد وشاهد على الكارثة.. تأثيرات الحرب النفسية على جيل الغد

طفل في بلدة حمورية - جيتي

قد تكون أغنية "أعطونا الطفولة" هي الأكثر ملازمة لمسامع السوريين منذ اختراع الراديو والتلفزيون، وهي في الحقيقة عبارة عن نداء يدعو لصون حقوق "فلذات الأكباد"، لكن الحال ازداد مرارة بعد عام 2011، حيث خُلق جيل كامل في زمن الحرب لا يعرف عن الطفولة إلا حروفها، شهد وعاصر كل حالات القتل والدمار والتهجير، فبدلا من أن يكون من جعلتهم الشرائع السماوية "زينة الحياة الدنيا" بمأمن عن العذابات والانتهاكات، زج بهم نظام الأسد في أتون الصراع، وباتوا وسيلة يُعاقَب من خلالها آباؤهم المطالبون بالحرية، وبعد كل ذلك تحول نداء السوريين من الشطر الأول المطالب بحقوق "الطفولة" إلى الشطر الثاني الصارخ بـ"أعطونا السلام". 

وتتربع سوريا (بفضل نظام الأسد) على قائمة بلدان العالم الأكثر انتهاكا لحقوق الطفل، وذلك بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان التي قالت، إن 3.2 مليون طفل داخل سوريا حرموا من التعليم بسبب القصف والتدمير، كما حرم 60% من الأطفال اللاجئين من التعليم وزاد على ذلك استغلالهم بشكل فظيع في سوق العمل، مضيفة أن قطاع الصحة تضرر فانخفضت معدلات تلقيح الأطفال، وتدمرت أجزاء واسعة من البنية التحتية، فانتشرت الأمراض والأوبئة، وتدمرت أحياء كثيرة بشكل كامل ما دفع بالأسرة السورية إلى التشرد قسرا، نزوحا أو لجوءا.

أخصائية علم النفس والاضطرابات السلوكية الدكتورة "ليندا النفوري" أكدت على أن "غالبية الحالات التي واجهتها أثناء عملها في سوريا كانت تتراوح بين اضطرابات النطق، والسلوك، وحالات القلق، والسلس البولي، والانزواء والعزلة، والتأخر الدراسي، وصعوبات النوم، وعدم القيام بالأنشطة"، مشددة على أن "جميعها كانت ناتجة عن سماع أصوات القصف والمعارك، ورؤية مشاهد العنف، أو حتى من خلال ردود أفعال الكبار عند سماع الأخبار السيئة، فالطفل يتقمص هذا الانفعال دون أن يعرف الارتدادات على شخصيته".

وقالت "النفوري" لـ"زمان الوصل" إن "الحرب الدائرة في سوريا لها أثار مدمرة على المجتمع بشكل عام وليس فقط على الأطفال، فالحرب لا تفرض إلا جوانب سلبية على كل الأطياف خصوصا طبقة الأطفال"، محذرة من "التداعيات الخطيرة على شكل المجتمع السوري في المستقبل والذي سيكون سببه وجود فئة من الأطفال قدم لها الخدمات الكافية من تعليم وصحة وهم المتواجدون في مراكز المدن أو في دول الهجرة، وفئة ثانية عاشوا في مناطق الحصار محرومين من التعليم والرعاية والأمان وأبسط مقومات الحياة.

وحملت الأخصائية النفسية المسؤولية للمنظمات الدولية والمجتمع المدني، التي قصرت بشكل كبير في حماية الأطفال، موضحة أن واجبها النشاط في حالات الحروب والكوارث، إلا أنها في الحالة السورية قامت ببعض الفعاليات المحدودة والأنشطة الخجولة وغير الكافية أمام هول ما يتعرض له الأطفال".

وأضافت النفوري: "تراجع عمل المنظمات الدولية والبرامج التي تقدمها لأطفال سوريا، سببه طول فترة الحرب، واختلاف الدول حول القضية، وعدم وجود رؤية واضحة، أما هيئات المجتمع المدني فبقي نطاق عملها محدودا بسبب قلة الدعم المقدم لها".

وقالت: "لطفولة سليمة معافاة من الضروري وجود برامج خاصة للأطفال، من خلال منظمات أو جمعيات دائمة لا يكون هدفها فقط معالجة الأزمات النفسية فقط، بل أماكن يتواجد فيها متخصصون على مدار الساعة لرعاية الأطفال"، معتبرة أن مشكلة الطفل ستبقى موجودة مازالت الحرب التي يشنها الأسد على الشعب قائمة وهي في تفاقم مستمر، لكنها أبدت تفاؤلها بزوال جميع هذه المشاكل بانتهاء الأسباب التي أدت إليها.

ومطلع هذا العام قالت منظمة "يونيسيف" في تقريرها السنوي، "معظم الآباء والأمهات حول العالم يستقبلون العام الجديد مفعمين بالأمل لمستقبل أطفالهم، في حين تستقبله الأمهات والآباء في سوريا بالحزن والأسى على من فقدوهم من الأطفال"، مضيفة أنه من "المخجل، ونحن على مشارف مرور سبع سنوات على الأزمة، أن تستمر الحرب على الأطفال في سوريا تحت أنظار العالم. وتستمر معاناة الملايين من الأطفال في جميع أنحاء سوريا وفي البلدان المجاورة من العواقب المدمرة لاستمرار العنف في أجزاء عديدة من البلاد".

وبحسب إحصائيات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) فإن أكثر مليون طفل سوري فقدوا أحد والديهم أو كليهما بسبب الصراع الدائر في البلاد منذ العام 2011، مؤكدة أن الأطفال عانوا أكثر من غيرهم من الحرب الدائرة، وأن السنوات السابقة هي الأسوأ بالنسبة لأطفال سوريا.

الباحثة في مجال علم النفس "ناريمان الجهماني" أكدت على أن مجال العلاج النفسي لم يحظَ باهتمام كبير رغم خطورته، وكان مقتصرا فقط على بعض المراكز التابعة لنظام الأسد، كما أنه لا يوجد اهتمام بتأهل اختصاصيين نفسيين مؤهلين للعمل في هذا المجال، مشيرة إلى وجود بعض المنظمات التي تهتم بالأطفال وتقوم على برامج الدعم النفسي والاجتماعي وإتباع برامج تشخيصية أو علاجية للمتضررين، لكن عدد هذه المنظمات غير كاف. 

وشددت على أن التأثيرات النفسية قابلة للعلاج السريع، بشرط إحداث مراكز متخصصة ومؤهلة، موضحة أن مشاهدة الأطفال لأحداث صادمة يؤدي إلى إصابتهم باضطرابات نفسية عديدة ويؤثر على أدائهم المدرسي وسلوكياتهم الاجتماعية وشخصياتهم، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى تقليل فاعليتهم في المستقبل وزيادة المعاناة من هذه الاضطرابات ويمكن أن تؤدي إلى جنوحهم أو حتى انخراطهم في سلوكيات إدمانية.

وقالت لـ"زمان الوصل": "إن نظام الأسد ارتكب أفعالا ترقى لجرائم ضد الإنسانية بحق أطفال سوريا، عبر القتل المنهجي الواسع، وعبر عمليات التعذيب والعنف الجنسي، منتهكا بشكل صارخ المادة السابعة من ميثاق روما الأساسي، كما مارس أفعالا أخرى ترقى إلى جرائم حرب عبر عمليات التجنيد الإجباري والتجويع والحصار الجماعي للأهالي بمن فيهم النساء والأطفال، وهذا يشكل خرقا صارخا للقانون الدولي الإنساني".

محمد الحمادي - زمان الوصل
(87)    هل أعجبتك المقالة (74)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي