أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الإطار القانوني للتطوير والاستثمار العقاري في سورية

من دمشق - الأناضول

يبدو التطوير العقاري في الحالة السورية الراهنة السبيل الأنجح لمعالجة مناطق السكن العشوائي، وإعادة تأهيل المناطق الواسعة المتضررة جراء قصف قوات النظام البائد، عدا عن كونه أداة رئيسية للتنمية العمرانية.

في الوقت الذي لم تعد فيه المقاولات التقليدية كافية للمعالجة، كانت الحاجة ملحةً لتأصيل مفهوم التطوير العقاري ، و إذ جاءت استجابة المشرع سريعة إثر التحرير عبر المرسوم رقم (114) لعام 2025، إلا أن الفجوات التنفيذية بقيت قائمة، ولا يُعزى ذلك فقط إلى تشابك حقوق الملكية والأراضي والسكن (HLP) والمشكلة العقارية القديمة في سورية، بل أيضاً إلى التحديات التي تفرضها حداثة تجربة التطوير العقاري، وغياب منهجية إجرائية وتعاقدية مستقرة ومحكمة توفر الثبات والأمان القانوني لطرفي التعاقد.

فالمستثمر والمطور العقاري لا يبحث عن المزايا والإعفاءات بقدر بحثه عن وضوح واستقرار الإجراءات القانونية، وعدم تعثر مشاريعه بالروتين وضعف الإدارات في الاستجابة لمتطلبات مشروعه.

لذلك، ومع ندرة مشاريع التطوير العقاري في سورية، وما رافقها من تحديث جوهري طرأ على إطارها القانوني، تأتي هذه الورقة لتضيء على الإطار المنهجي لمسارات العمل؛ غايةً في استقرار القانون، حماية المال العام، صون حقوق المواطنين الدستورية في الملكية والسكن، وتكريساً لمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص في التعاقدات الإدارية.

أولاً: مفهوم التطوير العقاري
وفقاً لقانون الاستثمار رقم (18) لعام 2021 وتعديلاته (بالقانون رقم 2 لعام 2023 والمرسوم رقم 114 لعام 2025)، عرّف المشرع "المطور والمستثمر العقاري" بأنه: الشخص الطبيعي أو الاعتباري، السوري أو غير السوري، المرخص له بممارسة أعمال التطوير والاستثمار العقاري في الجمهورية العربية السورية وفق أحكام هذا القانون.

ومن الناحية العملية، يُعد المطور هو الجهة التي تتحاصص على الأرض، تدرس الجدوى الاقتصادية، تستخرج التراخيص، توفر التمويل، تعين المقاولين للتنفيذ، وتتحمل مخاطر الربح والخسارة. كما يقوم المطور بتقديم مقاسم جاهزة للوحدة الإدارية، ويسوق ويبيع المنتج العقاري للمستخدم النهائي. وعليه، يمكن القول إن التطوير والاستثمار العقاري يتجاوز مفهوم البناء ليكون صناعة المكان لتحقيق ربح استثماري.

ثانياً: الإطار القانوني والمؤسسي
بعد إلغاء قانون التطوير العقاري و هيئة التطوير العقاري ، ينتظم قطاع التطوير العقاري في سورية وفقاً لقانون الاستثمار رقم (18) لعام 2021 وتعديلاته، والتعليمات التنفيذية الصادرة بالقرار رقم (1) لعام 2025. (ويُسجل هناافتقار المشهد حتى اللحظة لصدور نظام مزاولة مهنة التطوير العقاري.

تتوزع المرجعيات المؤسساتية والقانونية على النحو الآتي:
1. المرجعية العلياو تمثل في المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية ، وهو الجهة الحصرية المخولة بإصدار قرارات إحداث مناطق التطوير العقاري وتحديد حوافزها.المرجعية التنفيذية و هيئة الاستثمار السورية ، عبر مركز خدمات المستثمرين التابع لها وفروعها في المحافظات، إلى جانب الجهات المسؤولة (الوحدات الإدارية) التي تُسمى بقرار الإحداث.التأسيس والترخيص: يُسمح بتأسيس شركات مساهمة، شركات محدودة المسؤولية، شركة الشخص الواحد، فروع شركات عربية وأجنبية، وشركات الغرض الخاص (SPV). ويُحدد الحد الأدنى لرأسمال شركات التطوير وفروع الشركات الخارجية بقرار من المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية بناءً على اقتراح مجلس الإدارة، وتودع الأموال في المصارف السورية.يمنع أي شخص أو جهة من التفاوض أو ممارسة المهنة دون الحصول المسبق على ترخيص مطور عقاري من هيئة الاستثمار السورية.

ثالثاً: المنهجية القانونية لرفع منطقة جديدة للإحداث
تتجلى الغاية من إحداث مناطق التطوير العقاري في إقامة مدن وضواحي سكنية، معالجة السكن العشوائي، إقامة مناطق الأنشطة الاقتصادية والفعاليات الاستثمارية، ومناطق الخدمات الخاصة.

- المحدد المكاني والبديل الاستراتيجي للاستملاك: يُشترط أن تكون المنطقة خارج مناطق المنع والحرمات (عسكرية، آثار ، إلخ)، وأن تكون صحيفتها العقارية خالية من الإشارات المانعة للتصرف. 
وبموجب أحكام القرار رقم /1/ لعام 2025 (ولا سيما المادتين 33 و 49)، يبدأ المسار بطلب يُقدم من الجهة العامة إلى هيئة الاستثمار، التي تدرسه وتحدد المنطقة، ثم ترفعه إلى مجلس الإدارة ليقدم مقترحه إلى المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية لإصدار قرار الإحداث. يحقق هذا المسار الغاية التنظيمية والعقارية لتجميع وتخطيط المنطقة، مُستعيضاً عن آليات الاستملاك الظالمة.

- مكونات إضبارة اقتراح الإحداث: تقتضي الضرورة القانونية إعداد إضبارة متكاملة تتضمن: اسم المنطقة، موقعها، مساحتها، تبعيتها الإدارية، مخططاً طبوغرافياً، وصوراً فضائية حديثة تتم مقاطعتها مع صور سابقة لتثبيت الواقع الفعلي. كما تتطلب الإضبارة بياناً بالحدود الخارجية، ومستنداً من الوحدة الإدارية المختصة بالوضع التنظيمي، وبيانات قيد عقاري تُثبت خلو الصحائف من الإشارات المانعة. يُضاف إلى ذلك تقرير لجنة فنية متخصصة يشمل (مسح ووصف المحاضر، حصر الإشغالات، جرد الملكيات، ومسحاً ميدانياً لمعرفة الشاغلين الفعليين)، وبيان معطيات التخطيط الإقليمي (بنى تحتية ومرافق)، والبرنامج التخطيطي المقترح، ودراسة الاستثمارات التقديرية اللازمة، مع مذكرة المبررات الفنية والاقتصادية لاقتراح الإحداث وتسمية الجهة المسؤولة.

-توزيع الأدوار التنفيذية: تتولى الجهة المسؤولة (الوحدة الإدارية) تشكيل لجنة مسح عقاري واجتماعي بصلاحيات مغلقة لتوثيق الحالة صفر وضبط الإشغالات، إضافة إلى استصدار الموافقات المكانية، وإعداد البرنامج التخطيطي. في حين تتولى هيئة الاستثمار (عبر فروعها) صياغة الجدوى الاقتصادية، التقييم المبدئي للاستثمارات التقديرية، وتأطير الإضبارة قانونياً لرفعها.

رابعاً: المنهجية القانونية للتعامل مع المناطق المحدثة (مرحلة التفاوض والتعاقد)
لتحصين العقود في المناطق المحدثة سابقاً، يجب الالتزام الصارم بالموجبات القانونية الآتية:
1. وضع إشارة على الصحيفة العقارية ، وإجراء كشف ميداني لتثبيت الواقع المادي والقانوني للمنطقة. إعداد دفاتر الشروط الفنية، المالية، والحقوقية. ويُحظر الدخول في أي تفاوض بمعزل عن هذه الدفاتر التي تحدد القيمة العادلة لحصة الإدارة.الشفافية وتكافؤ الفرص: الإعلان عن تنفيذ المشروع لمدة (15 يوماً) كحد أدنى لضمان الشفافية التامة، بحيث يتم التفاوض وإرساء العقود بمراعاة صارمة لمبدأ تكافؤ الفرص المنصوص عليه في قانون الاستثمار؛ فلا يُرجح عرض إلا بناءً على معايير فنية ومالية تحقق المصلحة العليا.يُحظر التفاوض أو التعاقد إلا مع جهة تمتلك ترخيصاً وتصنيفاً أصولياً كـ مطور ومستثمر عقاري ، وأي تفاوض مع غير المرخصين يُعد باطلاً ومنعدم الصفة قانوناً. يُنظم العقد من قبل قانونيين وماليين مختصين لضمان توافقه التام مع الأنظمة السارية. كما يجب تضمينه نصاً آمراً يمنع المطور من المطالبة بأي تعويض أو تعديل لنسبة التحاصص المتفق عليها مهما طرأ من تغير في الأسعار. يُمنع التمليك المسبق لأملاك الدولة. وتُنقل ملكية المقاسم السكنية والخدمية للمطور تدريجياً وبنسب تتوافق حصراً مع نسب الإنجاز المادي الفعلي، في حين تُنقل ملكية المرافق العامة (الفئة الأولى) مجاناً للوحدة الإدارية. يُشترط للبيع على الخارطة إلزام المطور بفتح حساب ضمان مصرفي ، تودع فيه أموال المكتتبين ولا تُصرف إلا بموجب تقارير تقدم العمل، حمايةً للمواطنين ومنعاً لتعثر المشروع.

خامساً: التوصيات 
تخلص الورقة إلى التوصيات الآتية:
1. الاستعاضة عن الاستملاك عبر قانون التخطيط العمراني و بتفعيل أدواتقانون الاستثمار.بناء السياسات الاستثمارية المحلية: قيام الوحدات الإدارية بإعداد سياسات استثمارية للمحافظات تتوافق مع التوجه العام للدولة، عبر التشارك مع المجتمعات المحلية؛ بما لا يخالف القيم والعادات والتقاليد، وبما يحمي التاريخ والشخصية المعمارية للمدن.تكريس تكافؤ الفرص عبر فرض الإعلان المسبق عن أي مشروع، وضمان أن يكون إرساء العقود مستنداً حصراً إلى معايير فنية ومالية تحقق مصلحة المجتمع.تنظيم المفاوضات بموجب محاضر ضبوط أصولية ، وإخضاعها لتدقيق مستمر من قبل خبراء قانونيين وماليين للتأكد من توافقها التام مع التشريعات.إخضاع مسودات العقود ودفاتر الشروط لتأشير الجهاز المركزي للرقابة المالية كشرط رقابة سابقة ، تحصيناً للعمل.استكمال البنية التشريعية ومنهانظام مزاولة مهنة التطوير العقاري ودليل إجراءات مركز خدمات المستثمرين (النافذة الواحدة).الحوكمة المستمرة للمشاريع عبرلجان متخصصة.

القاضي حسام عدنان الشحنة - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي