تشهد السوق العقارية في سوريا نمطاً استثمارياً بات الأكثر شيوعاً، وهو ما يُعرف بـ "البيع على المخطط" . يقوم هذا النموذج على قيام المطور العقاري بطرح مشاريع سكنية قبل تنفيذها فعلياً، معتمداً في تمويل البناء على الأقساط التي يدفعها المشترون (المكتتبون).
ورغم جاذبية هذا النموذج للمستثمر الذي يهرب بماله من التضخم، وللمطور الذي يتهرب من تكاليف الاقتراض البنكي، إلا أنه يثير تساؤلات جوهرية حول الجدوى الاقتصادية والمخاطر المحدقة بالمدخرات الوطنية.
أولاً: كابوس التعثر.. ماذا لو توقف الحلم؟
إن هذا النمط يفتقر في كثير من الأحيان إلى "غطاء مالي" أو "ضمانات بنكية" حقيقية. وفي حال واجه المشروع ركوداً في المبيعات، أو عجز المطور عن إدارة التدفقات النقدية، يجد المشترون أنفسهم أمام سيناريوهات كارثية:
• فقدان السيولة: في اقتصاد يعاني من تذبذب حاد في سعر الصرف، يتحول "المال السائل" للمواطن إلى "أصول مجمدة" في هيكل إسمنتي غير مكتمل، مما يجعله عاجزاً عن استرداد قيمته عند الضرورة.
• المسؤولية القانونية: غالباً ما تكون العقود المبرمة ضعيفة الحماية للمشتري. في حال توقف المشروع لأسباب سياسية أو اقتصادية (مثل ارتفاع مفاجئ في أسعار مواد البناء)، يجد المشتري نفسه في دوامة تقاضٍ قد تستمر لسنوات، في ظل تآكل القيمة الحقيقية للمبالغ التي دفعها.
ثانياً: استنزاف السيولة الوطنية بدلاً من جذبها
تعتبر التحويلات الخارجية والكتلة النقدية الصعبة المحرك الأساسي لأي اقتصاد يتعافى، إلا أن نموذج "البيع على المخطط" الحالي يعمل بطريقة عكسية:
1. حصار السيولة الداخلية: هذا النمط لا يولد سيولة جديدة من الخارج، بل يقوم بـ "امتصاص" ما تبقى من مدخرات داخل البلاد وتحويلها من أموال متداولة في قطاعات إنتاجية أو تجارية إلى "مخزون عيني" ساكن.
2. تعطيل الدورة الاقتصادية: بدلاً من أن تُستثمر هذه الأموال في مشاريع صناعية أو زراعية ترفد الاقتصاد بالعملات الصعبة وتخلق فرص عمل دائمة، تذهب في استثمارات عقارية طويلة الأمد، قد تظل غير مسكونة أو غير مكتملة، مما يحولها إلى "مخازن قيمة" عقيمة لا تساهم في التنمية.
ثالثاً: العقار كملاذ.. هل هو فخ؟
يلجأ السوريون لهذا النوع من الاستثمار كخيار "أقل سوءاً" لحماية ما تبقى من قيمة مدخراتهم من التضخم. ولكن، تحويل المجتمع بأسره إلى "مكتتبين عقاريين" يخلق فقاعة عقارية غير مرتبطة بنمو حقيقي في الدخل القومي، حيث يتم تحديد أسعار العقارات بناءً على المضاربة لا على القدرة الشرائية الفعلية للسكان.
المطلوب ليس منع الاستثمار، بل تحويله من "مضاربة عشوائية" إلى "تطوير مؤسساتي" يحمي المشتري، ويضمن أن العقار هو أداة للسكن والنمو، لا فخاً لامتصاص مدخرات الأفراد وتجميدها في جدران لم تكتمل بعد.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية