بحلول الربع الأول من عام 2026، كشفت الإحصاءات الرسمية في النمسا عن مشهد جديد في إدارة ملف الهجرة؛ مشهدٌ يتسم بـ "الفائض في المغادرة" على حساب الاستقبال. فلأول مرة، يتجاوز عدد الخارجين من البلاد حاجز الـ 3500 شخص (بين ترحيل قسري ومغادرة طوعية)، في حين لم تسجل طلبات اللجوء الجديدة سوى 1100 طلب. هذا الخلل الرقمي ليس محض صدفة، بل هو ثمرة سياسة "التشدد الممنهج" التي تنتهجها فيينا.
وشهدت الأشهر الثلاثة الأولى ترحيل 1882 شخصاً بشكل قسري. اللافت هنا ليس الرقم الإجمالي بقدر ما هو "كفاءة التنفيذ"؛ حيث نُفذت 1658 حالة ترحيل مباشر. أما فيما يخص "اتفاقية دبلن" – العصب المحرك للسياسة الأوروبية – فتظهر الأرقام فجوة بيروقراطية؛ إذ وافقت دول أوروبية على استرداد 423 شخصاً، لكن الأرض الواقع لم تشهد تنفيذ سوى نصفها تقريباً.
وتعاني اتفاقية دبلن من "أزمة ثقة" بين دول التماس (مثل إيطاليا واليونان) ودول المقصد (مثل النمسا وألمانيا)، مما يجعل التنفيذ الفعلي يخضع للمساومات السياسية أكثر من النصوص القانونية.
ووفق موقع .diepresse سجلت المغادرات الطوعية 1693 حالة، لكن تحليل هذه الأرقام يكشف عن خارطة ديموغرافية مثيرة للاهتمام:
فالجنسيات الأوروبية (سلوفاكيا والمجر): يغادرون غالباً تحت ضغط الإجراءات القسرية (نحو 850 حالة مغادرة، الغالبية العظمى منها ترحيل).
وسجلت الجنسية السورية 268 حالة مغادرة طوعية مقابل 11 حالة ترحيل فقط. يعكس هذا الرقم ضغطاً نفسياً وقانونياً يدفع اللاجئ لاختيار الرحيل بكرامته قبل أن يطاله مقص القوانين الجديدة.
"السوريون" في مهب إعادة التقييم
وتعد هذه النقطة هي الأخطر سياسياً في عام 2026؛ حيث فُتح أكثر من 3000 إجراء لسحب صفة اللجوء، كان للسوريين نصيب الأسد منها بـ 1971 حالة.
ويشير هذا التوجه إلى أن السلطات النمساوية بدأت تعتبر مناطق معينة في سوريا "آمنة كفاية" لإنهاء الحماية، وهو ما يضع آلاف العائلات في حالة من عدم الاستقرار القانوني، ويحول اللجوء من "حالة دائمة" إلى "إقامة مؤقتة مشروطة".
التشدد الإداري وفخ "الأعمار"
ولجأت الحكومة النمساوية إلى أدوات رقابية صارمة، منها "الاحتجاز الإداري" الذي طال 700 شخص (معظمهم من الصرب والهنود والأتراك)، إضافة إلى فحوصات تحديد العمر. الصدمة الإحصائية تمثلت في أن 72% ممن ادعوا أنهم قُصّر تبين أنهم بالغون، وهي الذريعة التي تستخدمها التيارات اليمينية للمطالبة بمزيد من الرقابة البيومترية.
ولعل تصريح الوزير "غيرهارد كارنر" بأن عدد المغادرين يفوق الوافدين هو "إعلان انتصار سياسي" موجه للداخل النمساوي قبل الانتخابات. فالبلاد أمام مرحلة "تحصين الحدود الإدارية"؛ حيث لم يعد السياج الشائك هو العائق الوحيد، بل أصبحت "القوانين البيروقراطية"، وسحب الحماية، وتدقيق الأعمار، هي الأدوات الأكثر فاعلية في تقليص أعداد اللاجئين.
وخلاصة القول أن النمسا في 2026، تقدم نموذجاً للدولة التي تحاول التوفيق بين التزاماتها كعضو في الاتحاد الأوروبي، وبين ضغوط الرأي العام الداخلي المطالب بـ "صفر لجوء".
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية