في الحلقتين السابقتين من هذا التحقيق، وقفنا على مشهدين متناقضين. في الحلقة الأولى، رأينا كيف تتحول خطة إعادة الإعمار في الأحياء الشرقية بدمشق – جوبر، القابون، حي تشرين – إلى شروط تعجيزية: دفع نصف تكلفة البناء لمن يملك منزلاً، وتحويل عقارات "الطابو الزراعي" إلى حصص سكنية لا تتجاوز 25-30% من مساحة الأرض الأصلية، مع مضاعفة الخسارة في البيوت المتعددة الطوابق والملاك.
وفي الحلقة الثانية، كشفنا عن التخطيط العمراني الذي يحوِّل هذه الأحياء المنكوبة إلى ورشة لتجميل دمشق، بكراجات ضخمة، ومحطة انطلاق مترو دمشق، ومشافٍ كبرى، وثلاثة مساجد ضخمة، وحدائق عامة مترامية الأطراف، على حساب حق الأهالي في العودة إلى مساكنهم.
اليوم، في الحلقة الثالثة والأخيرة، نعود إلى النموذج التركي الذي استطعنا أن نلمس ملامحه في بداية هذا التحقيق.
نكشف بالتفصيل كيف تعاملت تركيا مع كارثة الزلزال الذي دمّر أكثر من 311 ألف مبنى و872 ألف وحدة سكنية في 11 ولاية، وكيف استطاعت خلال عامين فقط أن تعيد بناء أكثر من 433 ألف منزل، وأن تدفع تعويضات نقدية سريعة لأكثر من 519 ألف متضرر، من دون أن يطلب من مواطن واحد أن يدفع ليرة واحدة مقابل إعادة بناء منزله.
هذه الحلقة هي محاولة للإجابة عن السؤال الذي يطرحه أهالي جوبر والقابون وحي تشرين اليوم: لماذا تحمّلت تركيا وحدها تكلفة ما دمّرته الطبيعة، بينما نُطلب نحن أن ندفع نصف ثمن منازلنا التي دمّرتها الحرب؟ ولماذا نُحرم من أراضينا بذريعة "الطابو الزراعي" بينما في تركيا حصل الجميع على تعويضات عادلة؟
صندوق التأمين الإلزامي.. الدرع الذي حمى المتضررين الأتراك
في عام 2000، أي قبل الزلزال المدمر بثلاثة وعشرين عاماً، أقرت الحكومة التركية قانوناً إلزامياً يقضي بتأمين جميع المباني السكنية ضد الزلزال. هذا القانون، الذي بدا في حينه مجرد إجراء بيروقراطي، تحول إلى درع حماية حقيقية بعد كارثة شباط 2023.
صندوق التأمين ضد الكوارث الطبيعية التركي (DASK)، الذي يدير هذا النظام، لم ينتظر حتى انتهاء عمليات الإنقاذ. فور الانتهاء من عمليات المعاينة والتقييم، بدأ صندوق DASK بصرف التعويضات النقدية مباشرة للمتضررين. حتى شباط 2026، بلغ إجمالي التعويضات المدفوعة 39 مليار ليرة تركية (نحو 894 مليون دولار أمريكي)، استفاد منها أكثر من 519 ألف منزل.
متوسط التعويض الذي حصل عليه كل متضرر بلغ نحو 75 ألف ليرة تركية (حوالي 1,720 دولاراً)، في حين بلغ الحد الأقصى للتعويض عن المنزل الواحد في شباط 2026 نحو 2.1 مليون ليرة تركية (حوالي 48,400 دولار). هذه الأموال صُرفت مباشرة للمتضررين خلال أشهر قليلة، دون انتظار الانتهاء من إعادة الإعمار، ودون أي شروط أو تعقيدات بيروقراطية.
في سوريا، لا يوجد أي نظام تأمين إلزامي مماثل. ليس هناك صندوق وطني يوفر تعويضات للمتضررين من الحرب أو الكوارث. هذه الفجوة الكبيرة هي السبب الأول وراء معاناة أهالي الأحياء الشرقية اليوم. ففي تركيا، كان هناك نظام قائم ينتظر الكارثة. في سوريا، بدأنا من الصفر، لكن بدأنا بطريقة تضع العبء كله على المواطن.
المنح والقروض الميسّرة.. دعم إضافي من الدولة
إلى جانب التعويض التأميني، لم تترك الحكومة التركية المتضررين يواجهون مصيرهم وحدهم. أطلقت برنامجاً وطنياً بعنوان "التحويل في المكان" (Yerinde Dönüşüm) ، الذي قدم دعماً مالياً إضافياً للمتضررين الراغبين في إعادة بناء منازلهم على أراضيهم.
هذا البرنامج تضمن:
- منحة مالية تصل إلى 500 ألف ليرة تركية (نحو 11,500 دولار) للمنازل، و250 ألف ليرة للمحال التجارية.
- قرض بدون فوائد يصل إلى 800 ألف ليرة تركية (نحو 18,400 دولار)، مع فترة سماح سنتين، وفترة سداد تمتد لعشر سنوات.
هذا يعني أن الأسرة المتضررة في تركيا كانت تحصل على تعويض تأميني نقدي، ثم منحة حكومية إضافية، ثم قرضاً ميسراً بدون فوائد، مما مكنها من إعادة بناء منزلها من دون تحمل أي أعباء مالية إضافية. أما من فضل عدم إعادة البناء بنفسه، فقد استلم منزلاً جاهزاً ضمن المشاريع السكنية التي نفذتها الدولة مجاناً.
في دمشق، المشهد مختلف تماماً. ليس هناك تعويض تأميني، ولا منح حكومية، ولا قروض ميسرة. كل ما تقدمه الخطة الاستثمارية هو أن يدفع المواطن نصف التكلفة، أو أن يحصل على ربع مساحة أرضه إذا كان عقاره مسجلاً كـ"طابو زراعي". ليس هناك صندوق تأمين، ليس هناك دعم حكومي، ليس هناك أي تضامن مجتمعي مؤسسي. المواطن وحده في مواجهة كل شيء.
الدولة تحملت التكلفة كاملة.. 91.5 مليار دولار
ما يميز التجربة التركية، إلى جانب التأمين الإلزامي والمنح الحكومية، هو أن الدولة تحملت التكلفة الكاملة لإعادة الإعمار. وفق تقارير وزارة البيئة والتحضر والتغير المناخي التركية، بلغ إجمالي الإنفاق الحكومي على التعافي في الفترة 2023-2025 نحو 91.5 مليار دولار أمريكي، موزعة بين:
- بناء منازل جديدة: تم تسليم 433,667 منزلاً و21,690 مكان عمل حتى شباط 2026.
- إعادة تأهيل البنية التحتية بالكامل: شبكات كهرباء، مياه، صرف صحي، اتصالات، طرق.
- دعم المتضررين: تعويضات، منح، قروض ميسرة، إعفاءات ضريبية.
هذا المبلغ الضخم لم يُطلب من المتضررين تسديده، ولم يُطلب من ولايات معينة تحمله وحده. بل تحمّلته الدولة من ميزانيتها العامة، ومن القروض الدولية التي حصلت عليها، ومن صناديق التأمين التي كانت قد شكلتها قبل سنوات. باختصار، الكارثة كانت مسؤولية الجميع، وتحملها الجميع.
في الأحياء الشرقية بدمشق، التمويل ليس من موازنة الدولة، بل من مستثمرين. وهذا يعني أن الخطة ليست خطة تعويض وطني، بل خطة استثمارية تهدف للربح. والمستثمر لن يربح إلا إذا حصل على حصص في العقارات، أو إذا باع وحدات سكنية إضافية. وهنا يأتي الشرط التعجيزي: إما أن تدفع نصف التكلفة، أو أن تتنازل عن جزء كبير من مساحة أرضك.
التكافل المجتمعي.. روح لم تغب
إلى جانب المؤسسات، شهدت تركيا بعد الزلزال واحدة من أكبر حملات التكافل المجتمعي في تاريخها الحديث. حملات تبرعات شعبية واسعة انطلقت في كل الولايات، وتطوع الآلاف للمشاركة في عمليات الإنقاذ والإغاثة، واستضافت ولايات غير متضررة آلاف العائلات في منازلها، وتبرع مواطنون بممتلكاتهم لصالح المتضررين.
هذه الروح التكافلية لم تكن عشوائية، بل كانت مدعومة بقناعة راسخة بأن الكارثة تصيب الجميع، ومواجهتها مسؤولية الجميع. الدولة لم تترك المواطنين وحدهم، والمواطنون لم يتركوا بعضهم وحدهم. هذا المزيج بين المؤسسات القوية والتكافل المجتمعي هو ما جعل إعادة الإعمار في تركيا أسرع وأكثر إنصافاً.
في سوريا، غابت هذه الروح المؤسسية والمجتمعية. ليس هناك صندوق تأمين، ليس هناك دعم حكومي، وليس هناك خطة وطنية تعيد الإعمار على حساب الدولة. المواطنون وحدهم في مواجهة الخطة الاستثمارية التي تضعهم أمام خيارات مستحيلة. وبينما كانت تركيا تبني 433 ألف منزل في عامين، لا تزال جوبر والقابون وتشرين تحت الأنقاض منذ سبع أو ثمان سنوات بعد انتهاء المعارك فيهما.
مقارنة حاسمة: نموذجان متباينان
في تركيا، بعد الزلزال، قالت الدولة: "لن نترك مواطنينا وحدهم". وكانت النتيجة:
- تعويضات نقدية سريعة لأكثر من 519 ألف منزل من صندوق التأمين الإلزامي.
- منح حكومية وقروض ميسرة بدون فوائد للمتضررين.
- بناء 433,667 منزلاً جديداً وتسليمها مجاناً.
- إعادة تأهيل البنية التحتية بالكامل.
- إجمالي إنفاق حكومي بلغ 91.5 مليار دولار.
في الأحياء الشرقية بدمشق، الخطة الاستثمارية تقول: "ادفع نصف التكلفة أو اخرج من المنطقة":
- لا تعويضات تأمينية، لا صندوق وطني.
- لا منح حكومية، لا قروض ميسرة.
- دفع 50% من تكلفة البناء لمن يملك منزلاً.
- تحويل عقارات "الطابو الزراعي" إلى حصص سكنية لا تتجاوز 25-30% من مساحة الأرض الأصلية.
- مضاعفة الخسارة في البيوت المتعددة الطوابق والملاك.
- تحويل الأحياء المنكوبة إلى منطقة خدمات مركزية لدمشق (كراجات ضخمة، محطة مترو، مشافٍ كبرى، ثلاثة مساجد كبرى، حدائق عامة) على حساب السكن العائد.
- تمويل من مستثمرين وليس من الدولة، مما يعني أن الربح هو الهدف الأول، وليس تعويض المتضررين.
جرح لم يندمل وخطة لزيادة اللهيب
خطة محافظة دمشق الاستثمارية، بقيمتها 21 مليار دولار، كانت فرصة حقيقية لبدء مرحلة جديدة من العدالة الاجتماعية، تعيد للمتضررين حقوقهم، وتكرس مبدأ التكافل الذي رأيناه في تركيا. لكن الشروط التي حملتها جعلت منها مصدر قلق أكثر منها مصدر أمل.
من يملك منزلاً في هذه الأحياء يُطلب منه أن يدفع نصف تكلفة إعادة بنائه، في وقت فقد فيه كل شيء: منزله، أثاثه، مدخراته، وأحياناً أحباءه. ومن يملك عقاراً مسجلاً كـ"طابو زراعي" يُعوَّض بحصة سكنية لا تتجاوز 25-30% من مساحة أرضه الأصلية، مع مضاعفة الخسارة في البيوت المتعددة الطوابق والملاك، مما يعني أن عائلات بأكملها قد لا تحصل إلا على بضعة أمتار مربعة مقابل منازلها التي كانت تقوم على تلك الأرض لعقود.
وإلى جانب هذه الشروط التعجيزية، يأتي التخطيط العمراني الذي يحوِّل الأحياء المنكوبة إلى ورشة لتجميل دمشق. كراجات ضخمة، محطة انطلاق مترو دمشق، مشافٍ كبرى، ثلاثة مساجد ضخمة، حدائق عامة مترامية الأطراف. كل هذه المرافق تخدم العاصمة وطبقة جديدة من المجتمع، على حساب أهالي المنطقة الذين لا يريدون سوى منزل يعيدهم إلى حياتهم التي سرقت منهم قبل أربعة عشر عاماً.
المواطن في جوبر والقابون وحي تشرين لا يبحث عن حديقة عامة، ولا عن كراجات للسيارات، ولا عن شبكة غاز، ولا عن ملاعب حديثة، ولا عن تقنيات متطورة. المواطن يبحث عن شيء واحد فقط: أن يعود إلى منزله، أن يأوي إلى مسكنه الذي خرج منه قسراً منذ أكثر من عشر سنوات. إذا كان التخطيط العمراني الجديد يتطلب بناءً بهذه السوية وهذه المرافق الضخمة، فليكن ذلك في أراضٍ أخرى، وليس في أراضي من فقدوا منازلهم وانتظروا طويلاً ليعودوا إليها.
في تركيا، بعد الزلزال، قالت الدولة: "لن نترك مواطنينا وحدهم". وكانت النتيجة أن الدولة تحملت 91.5 مليار دولار، وأن آلاف العائلات عادت إلى منازلها الجديدة خلال عامين. في سوريا، ينتظر سكان جوبر والقابون وحي تشرين إشارة مماثلة، تعيد لهم الثقة بأن دولتهم الجديدة، بعد كل ما مروا به، ستكون إلى جانبهم، وليس فوق رؤوسهم.
العبرة ليست في حجم الأموال المخصصة، بل في الروح التي توزع بها، وفيما إذا كانت تعيد الاعتبار لأهل المناطق المنكوبة أم تكرس إقصائهم تحت شعار "الاستثمار".
انتهى التحقيق في ثلاث حلقات
المصادر المعتمدة في هذا التحقيق:
- وزارة البيئة والتحضر والتغير المناخي التركية – تقرير "زلزال ٦ شباط – عامان من التعافي" (شباط ٢٠٢٦).
- صندوق التأمين ضد الكوارث الطبيعية التركي (DASK) – نشرة إحصائية (شباط ٢٠٢٦).
- تصريحات محافظ دمشق حول خطة إعادة إعمار الأحياء الشرقية (كانون الثاني – شباط ٢٠٢٦).
- تقارير ميدانية وشهادات من أهالي المناطق المتضررة في جوبر والقابون وحي تشرين.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية