الحلقة الثانية: تجميل دمشق على حساب الجرح.. كراجات ومشافٍ في قلب المنكوب
في الحلقة الأولى من هذا التحقيق، وقفنا على مشهدين متناقضين لإعادة الإعمار: تركيا التي تحمّلت الدولة فيها وحدها تكلفة إعادة بناء ما دمّرته الطبيعة، من خلال التأمين الإلزامي والمنح الحكومية والقروض الميسّرة، من دون أن يُطلب من المواطن دفع ليرة واحدة. وفي المقابل، الأحياء الشرقية بدمشق – جوبر، القابون، حي تشرين – حيث لا تزال آلاف العائلات تنتظر العودة إلى منازلها المدمرة منذ أكثر من سبع سنوات، لتتفاجأ بخطة استثمارية بقيمة 21 مليار دولار تحمل شروطاً تعجيزية: دفع نصف تكلفة إعادة البناء لمن يملك منزلاً، وتحويل عقارات "الطابو الزراعي" إلى حصص سكنية لا تتجاوز 25-30% من مساحة الأرض الأصلية، مع مضاعفة الخسارة في البيوت المتعددة الطوابق والملاك.
اليوم، في الحلقة الثانية، نكشف وجهاً آخر لهذه الخطة، ربما يكون الأخطر: التخطيط العمراني الذي يحوِّل الأحياء المنكوبة إلى ورشة لتجميل دمشق، على حساب حق أهاليها في العودة إلى مساكنهم، في مشهد يصفه مراقبون بأنه "تهجير جديد وتغيير ديموغرافي" مقنع تحت شعار "الاستثمار".
هدر غير مسبوق للمساحات.. كراجات ومشافٍ ومساجد وحدائق
بحسب المعلومات المتوفرة عن المخططات التنظيمية الجديدة التي أعدتها محافظة دمشق للمنطقة الممتدة من باب شرقي إلى حدود برزة ووفقا للتصريحات الكثيرة عن محافظ دمشف ، فإن النسبة المخصصة للمرافق العامة والخدمية تجاوزت كل المعايير المعمول بها في المناطق السكنية المماثلة بدمشق ، فبدلاً من تخصيص المساحات الأكبر للسكن العائد للأهالي ، خُصصت مساحات شاسعة لمشاريع ضخمة:
كراجات ومحطة انطلاق مترو دمشق وساحات انتظار متعددة الطوابق، بعضها صُمم بطاقة استيعابية تفوق حاجة المنطقة بعشرات المرات.
المصادر المحلية تتحدث عن كراجات تتسع لعدد كبير من السيارات، في منطقة لا تعاني أصلاً من أزمة مواقف بهذا الحجم كونها مناطق فقيرة أساسا، ما يوحي بأن الهدف ليس خدمة السكان العائدين، بل خدمة سكان المنطقة المستقبليين والذين سيكونون من الطبقة الارستقراطية وكل ذلك على حساب أراضي الأهالي.
مشفٍى كبير ومراكز صحية ومراكز ثقافية، رغم وجود مشافٍ قريبة تخدم المنطقة مثل مشفى تشرين وابن النفيس والمجتهد ومشفى دمشق ومراكز صحية في برزة وركن الدين. هذه المرافق الضخمة ستستهلك مساحات واسعة كان يمكن أن تكون آلاف الوحدات السكنية.
مساجد كبيرة وكما تسرب عددها ثلاث وتتسع لآلاف المصلين، تكرر النموذج الذي شوهد في مناطق أخرى من دمشق حيث أُقيمت جوامع ضخمة على حساب النسيج العمراني المحلي. في منطقة مثل القابون أو جوبر، التي كانت تضم مساجد محلية صغيرة تلبي حاجة السكان، لم يكن هناك مبرر لبناء جوامع بهذا الحجم سوى التخطيط التجميلي ورفع سوية المنطقة والتي لن تكون لأهلها في حينها.
مركز إطفاء ودفاع مدني بحجم يتجاوز حاجة المنطقة بكثير، في وقت تعاني فيه مناطق أخرى من دمشق من نقص في هذه المرافق.
حدائق عامة مساحاتها كبيرة جداً، تشكل نسبة مئوية كبيرة على حساب المناطق السكنية، وكأن الهدف هو تحويل هذه الأحياء إلى متنزهات عامة تخدم دمشق بأكملها، لا إلى أحياء سكنية تعيد لأهلها منازلهم.
هذه المرافق، على أهميتها، يمكن إنشاؤها – كما يقول مراقبون ومتضررون – في مناطق أخرى من دمشق، أو في الضواحي الجديدة التي يجري التخطيط لها. لكن تخصيصها داخل الأحياء الشرقية المدمرة ، على حساب المساحات السكنية، يعني أن المواطن الذي كان يملك منزلاً متواضعاً في هذه الأحياء سيحصل على مساحة سكنية أقل بكثير مما كان يملك، أو سيدفع إلى مناطق أبعد. البعض يقرأ في هذه المخططات محاولة لتغيير الطابع الديموغرافي للمنطقة، تحت غطاء "التطوير الحضري" و"تحسين الخدمات".
المواطن لا يريد كراجات ولا مشافٍ جامعية.. يريد منزله
في جوبر والقابون وحي تشرين، لم يعد الأهالي يبحثون عن مجمعات تجارية أو كراجات ضخمة أو مساجد فخمة أو حدائق عامة مترامية الأطراف. كل ما يبحثون عنه هو شيء واحد: أن يعودوا إلى منازلهم، أن يأووا إلى مساكنهم التي خرجوا منها قسراً منذ أكثر من عشر سنوات.
عائلات كثيرة لا تزال تعيش في أماكن نزوحها في ريف دمشق أو في مدن أخرى، تدفع إيجارات باهظة استنزفت مدخراتها.
أسر أخرى هاجرت خارج البلاد وتنتظر فرصة العودة إلى أحيائها.
هناك من فقد أحباءه في المعارك أو في السجون، وهناك من فقد منزله كلياً ولم يبقَ منه سوى ذكرى.
هذه العائلات تتابع الحديث عن الخطة الاستثمارية الـ21 ملياراً، وتسمع عن الكراجات والمشافي والحدائق، فتتساءل: أين منزلنا؟ أين حقنا في العودة إلى ما كان لنا؟ لماذا تتحول أحياؤنا المدمرة إلى ورشة لتجميل دمشق، بينما نحن ننتظر في العراء؟
التجميل والمرافق العامة يجب أن تكون في مناطق أخرى، وليس في المناطق التي تعاني من جرح مفتوح لم يندمل.
وضع هذه المرافق الضخمة في قلب الأحياء المنكوبة يشبه وضع الماكياج على جرح ملتهب بدلاً من علاجه. إنها إهانة إضافية لأهالي المناطق التي دفعوا أثماناً باهظة من الدماء والتهجير والفقدان.
"التحويل في المكان" التركي مقابل "تجميل دمشق" السوري
في تركيا، بعد زلزال شباط 2023، كانت فلسفة إعادة الإعمار قائمة على مبدأ "التحويل في المكان" (Yerinde Dönüşüm) الحقيقي: أي إعادة بناء المنازل المدمرة في مواقعها نفسها، مع تحسين مواصفاتها لمقاومة الزلازل، من دون تقليص المساحات السكنية، ومن دون تحويل المنطقة إلى ورشة خدمية ضخمة.
الدولة تحمّلت التكلفة كاملة، وتم تسليم المنازل الجديدة للمتضررين مجاناً، مع تعويضات نقدية سريعة من صندوق التأمين الإلزامي.
في دمشق، المخططات الجديدة تقدم نموذجاً مغايراً: "التحويل في المكان" هنا يعني تحويل المنطقة إلى منطقة خدمية مركزية تخدم العاصمة وطبقة جديدة من المجتمع ، على حساب السكان الأصليين.
الكراجات الكبيرة ستخدم قادمين من خارج المنطقة، والمشافي ستستقبل مرضى من كل دمشق، والمساجد الكبرى ستجذب المصلين من مناطق بعيدة، والحدائق العامة ستتحول إلى متنزهات لعوائل من أماكن أخرى. أما السكان العائدون فسيحصلون على ما تبقى من مساحات سكنية ضئيلة، مضافاً إليها شروط الدفع التعجيزية.
هذا التحول في الرؤية – من إعادة إعمار تركز على الإنسان والمكان، إلى إعادة إعمار تركز على استقطاب الاستثمارات وتجميل العاصمة – هو ما يثير قلقاً كبيراً لدى أهالي الأحياء الشرقية.
فهم يرون أنهم يخسرون مرة ثانية: خسروا منازلهم في الحرب، وها هم يخسرون حقهم في العودة إليها في الخطة التي كان يفترض أن تعيد لهم ما فقدوه.
الانتظار والخوف.. هل تأتي الحلقة الثالثة بجواب؟
في الحلقة الأولى من هذا التحقيق، عرضنا الشروط التعجيزية التي وضعتها المحافظة: دفع نصف تكلفة البناء، وتحويل "الطابو الزراعي" إلى حصص سكنية لا تتجاوز ربع المساحة الأصلية. وفي هذه الحلقة الثانية، كشفنا عن التخطيط العمراني الذي يحوِّل الأحياء المنكوبة إلى منطقة خدمات مركزية لدمشق، على حساب السكن العائد.
محافظ دمشق يسير بخطة الرقي بدمشق ووضع سقف عالي من التقانة وعدد قليل من الطوابق ومساحات خضراء ومراكز خدمية ولكن هذا كله سيكون متناسب عكسا مع حقوق أهل المنازل المدمرة في هذه الأحياء.
بالنهاية المواطن لايريد سوى منزله وحقه وهو غير معني بالحديقة والمرآب للسيارات وشبكة غاز والملاعب والتقنيات ، هو معني بأن يحفظ حقه والذي يشترط البناء بهذه السوية عليه ان يبحث عن أراضي في غير هذه الأحياء.
يبقى السؤال الأكبر: لماذا هذا النموذج المغاير تماماً للتجربة التركية التي تقدم نموذجاً للتكافل المؤسسي والمجتمعي؟ في تركيا، بعد الزلزال، قالت الدولة: "لن نترك مواطنينا وحدهم"، وتحملت 91.5 مليار دولار. في سوريا، ينتظر سكان جوبر والقابون وحي تشرين إشارة مماثلة، لكن ما يسمعونه حتى الآن هو شروط استثمارية وتخطيط يفضل تجميل دمشق على إسكان العائدين.
في الحلقة الثالثة والأخيرة من هذا التحقيق، نعود بالتفصيل إلى النموذج التركي: كيف عمل صندوق التأمين الإلزامي؟ كيف أدارت الدولة عملية إعادة الإعمار؟ ما هي مبالغ التعويضات والمنح والقروض التي حصل عليها المتضررون؟ ولماذا نجحت تركيا في إعادة بناء أكثر من 433 ألف منزل في غضون عامين، بينما تتأخر الأحياء الشرقية بدمشق في انتظار خطة لا تزال مثيرة للجدل؟
كما سنحاول الإجابة عن السؤال الأهم: هل يمكن أن تستفيد سوريا من هذا النموذج، أم أن العقبات السياسية والاقتصادية ستجعل من خطة الـ21 ملياراً مجرد وعد آخر يتبعه خيبة أمل جديدة؟
يتبع..
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية