الحلقة الأولى:
مشهدان متناقضان.. وجراح لم تندمل
في 6 شباط 2023، ضرب زلزال مدمر جنوب تركيا، فدمّر أكثر من 311 ألف مبنى و872 ألف وحدة سكنية في 11 ولاية. تحملت الدولة التركية وحدها عبء إعادة الإعمار، فدفعت من خزينتها العامة ومن صندوق التأمين الإلزامي 91.5 مليار دولار، وسلمت المتضررين منازل جاهزة أو منحاً وقروضاً ميسرة.
في تركيا، كانت فلسفة العمل واضحة: الكارثة تصيب الجميع، ومواجهتها مسؤولية الجميع. لم يُطلب من المواطنين أي مساهمة مالية في إعادة بناء منازلهم، ولم تُفرض عليهم شروط تعجيزية، بل كانت الدولة وحدها هي الضامن لعودتهم إلى حياة كريمة.
أما في دمشق، فخلال عقد من الثورة، تعرضت الأحياء الشرقية – جوبر، القابون، حي تشرين – لدمار شامل لم تشهد له مثيلاً في أي منطقة أخرى. هنا، لم يكن الدمار نتيجة زلزال، بل نتيجة حصار وقصف واشتباكات دامية استمرت سنوات، تلتها سنوات من الإهمال والتهميش.
واليوم، بعد أكثر من 7 سنوات على انتهاء العمليات العسكرية، لا تزال هذه الأحياء تحت الأنقاض، بينما تطرح محافظة دمشق خطة استثمارية بقيمة 21 مليار دولار، تحمل في طياتها شروطاً وضعت الأهالي أمام معادلة صعبة: من يملك منزلاً عليه أن يدفع نصف تكلفة إعادة بنائه، ومن يملك عقاراً مسجلاً كـ "طابو زراعي" سيحصل على ما بين 25 و30% فقط من مساحة أرضه، محولة إلى شقق سكنية في الأبنية الجديدة.
هذا التحقيق – في 3 حلقات – يضع النموذجين وجهاً لوجه، ويكشف تفاصيل الخطة الاستثمارية التي أثارت جدلاً واسعاً، ويحاول الإجابة عن السؤال الأكبر: هل إعادة الإعمار في سوريا ستكون مشروعاً وطنياً للتكافل، أم صفقة عقارية تكرس الظلم الاجتماعي على حساب أهالي المناطق المنكوبة؟
من باب شرقي إلى حدود برزة.. جغرافيا الدمار التي لا تُنسى
تمتد خطة إعادة الإعمار الحالية التي أعلنتها محافظة دمشق جغرافياً من باب شرقي إلى حدود برزة. وتشمل هذه الخطة 3 أحياء رئيسية حملت وحدها وطأة المعارك الأخيرة في الغوطة الشرقية:
- جوبر: لم تكن مجرد حي سكني عادي، بل كانت بوابة الغوطة الشرقية ومسرحاً لمعارك طاحنة استمرت سنوات. تضمنت قبل عام 2011 نحو 15-20 ألف وحدة سكنية، تعرض أكثر من 85% من مبانيها لأضرار متفاوتة، فيما انهار كلياً أكثر من 60% من مساكنها.
- القابون المجاورة: كان يقطنها قبل الحرب نحو 25-30 ألف أسرة، في منازل متواضعة تختلط فيها البيوت القديمة بالأبنية الحديثة. اليوم، أكثر من 70% من مبانيها غير صالحة للسكن، وقد شهدت تهجيراً قسرياً لآلاف العائلات.
- حي تشرين: يمتد من نهر يزيد إلى حدود برزة. كان هذا الحي نقطة الارتكاز للمعارك الأخيرة قبل عام 2018. استمرت معاركه العنيفة نحو 5 أشهر، واستُخدمت فيه خراطيم الـ TNT عبر كاسحات الألغام "UR-47". بلغت نسبة الدمار في الحي أكثر من 85%، حيث انهارت المباني بالكامل وفُقدت البنى التحتية.
خطة الـ 21 ملياراً.. استثمار أم تعويض؟
في مطلع عام 2026، أعلنت محافظة دمشق عن خطة استثمارية ضخمة لإعادة إعمار الأحياء الشرقية المتضررة، قُدرت قيمتها بنحو 21 مليار دولار أمريكي. الخطة اشتملت على شقين رئيسيين: إعادة تأهيل البنية التحتية، وإنشاء مناطق سكنية وتجارية جديدة.
بحسب تصريحات محافظ دمشق، فإن تمويل الخطة سيأتي من مستثمرين محليين وخارجيين، حيث تعمل المحافظة على جذب رؤوس أموال من دول خليجية وشركات إنشاءات تركية، إضافة إلى "صندوق إعادة الإعمار السوري" الذي تأسس حديثاً، دون ذكر أي تمويل من البنك الدولي.
الشرط الأول: نصف التكلفة على من فقد كل شيء
يُطلب من مالك العقار الراغب بإعادة بناء منزله أن يدفع 50% من التكلفة الإجمالية للبناء، بينما تتولى الجهة المستثمرة تغطية النصف الآخر مقابل الحصول على حصص في العقار أو وحدات إضافية. هذا الشرط يتحول إلى عبء تعجيزي على أناس:
- نزحوا قسراً منذ عام 2012 وفقدوا مصادر دخلهم.
- نُهبت ممتلكاتهم وسُرقت محتويات منازلهم.
- استُنزفت مدخراتهم خلال سنوات الاستئجار الطويلة.
- عانوا من التضخم الجامح الذي أكل قيمة ممتلكاتهم.
الشرط الثاني: الطابو الزراعي.. ملكية تتحول إلى ربع مساحة
من أكثر القضايا تعقيداً هي العقارات المسجلة كـ "طابو زراعي". بحسب آليات التعويض المسربة، فإن صاحب العقار سيحصل على حصة سكنية تعادل 25-30% فقط من مساحة أرضه الأصلية.
هذا يعني أن من كان يملك منزلاً على أرض مساحتها 100 متر مربع، سيحصل على شقة لا تتجاوز مساحتها 25-30 متراً مربعاً (غرفة أو غرفتين صغيرتين). والمشكلة تتفاقم في الأبنية الطابقية؛ فإذا كانت الأرض بمساحة 100 متر ويقطنها 8 عائلات في 4 طوابق، فإن نسبة الـ 25-30% ستُقسم على العائلات الـ 8، مما يجعل حصة العائلة الواحدة مجرد بضعة أمتار.
ماذا بعد؟ الانتظار والخوف من مصير مجهول
هذه الشروط جعلت آلاف العائلات في حالة من القلق؛ فإما دفع مبالغ لا يملكونها، أو القبول بربع مساحة أملاكهم، أو البقاء في شتات النزوح.
في الحلقة الثانية: نكشف تفاصيل المخططات التنظيمية التي خصصت مساحات قياسية للمرافق العامة (كراجات، مشافٍ، حدائق) على حساب المساحات السكنية.
في الحلقة الثالثة: نعود للمقارنة مع النموذج التركي والتكافل المؤسسي مقابل ما يصفه البعض بـ "الفردية المتوحشة".
يتبع..
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية