في الوقت الذي ينتظر فيه أهالي المناطق المدمرة في محيط العاصمة دمشق بصيص أمل للعودة إلى ديارهم، فجّرت التصريحات الأخيرة لمدير الدراسات الفنية في محافظة دمشق، المهندس عمر دكاك، موجة من التساؤلات المشروعة والمخاوف القانونية. اللقاء الذي جمعه مؤخراً بوفد من أهالي حي القابون، لم يكن مجرد عرض تقني للخيارات التنظيمية، بل كشف عن محاولة واضحة لتحميل المواطن أعباءً خدمية هي في أصل القانون من مسؤولية الدولة.
الخيار الثالث: إعمار مشروط بـ "التمويل الذاتي"
كشف دكاك عن تفاصيل "الخيار الثالث" المطروح لإعادة إعمار حيي القابون وجوبر، والذي يتيح للأهالي تجميع ملكياتهم والتعاقد مع مقاولين. إلا أن "الفخ" يكمن في التفاصيل؛ حيث تشترط المحافظة أن يتحمل الملاك بالكامل تكاليف تأهيل البنية التحتية (كهرباء، مياه، صرف صحي، وطرقات). ووصف دكاك هذا الخيار بـ "المعقد والبطيء"، محذراً من نزاعات بين الملاك، في إشارة يراها مراقبون "ضغطاً" لدفع الأهالي نحو خيارات أخرى قد لا تخدم مصالحهم السكنية.
القانون يحسم الجدل: المسؤولية حكومية بامتياز
بالنظر إلى القوانين السورية النافذة، يظهر بوضوح أن طرح المحافظة يغرد خارج السرب التشريعي:
- المرسوم الرئاسي رقم 59 لعام 2026: الصادر مؤخراً (10 آذار 2026)، والذي شكل لجنة عليا برئاسة وزير الطوارئ، نص صراحة على أن "تهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي" هي مهمة حكومية أصيلة تهدف لرفع المستوى الخدمي، وليس عبئاً يُلقى على كاهل المهجرين.
- قانون الإدارة المحلية (رقم 37 لعام 2021): يؤكد أن الضرائب والرسوم التي سددها المواطن لعقود (مثل ضريبة الترابية وغيرها) هي المورد الأساسي الذي يجب أن يُنفق على الخدمات. فالمواطن دفع "ثمن الخدمة" مسبقاً عبر سنوات من التزامه الضريبي.
الكيل بمكيالين: لماذا القابون ليست كـ "دمشق القديمة"؟
تطرح المقارنة مع مشاريع المحافظة الأخرى علامات استفهام كبرى. ففي مشاريع تأهيل دمشق القديمة (باب توما والقشلة)، تحملت المحافظة كامل تكاليف البنية التحتية والترميم باعتباره "مسؤولية عامة". فبأي منطق قانوني أو خدمي تُعفى مناطق وتُجبر مناطق أخرى – عانى أهلها النزوح والدمار – على الدفع من جيوبهم؟
"المحافظة ليست تاجراً يقدم معروفاً، بل جهة إدارية وظيفتها تقديم الخدمة مقابل الضرائب المحصلة".
البعد الأخلاقي: هل يُعاقب "خزان الثورة"؟
خلف الأرقام والمواد القانونية، تقف حقيقة إنسانية دامغة. أهالي القابون وجوبر والقدم والعسالي، لم يكونوا مجرد سكان، بل كانوا طليعة الحراك الشعبي الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وبيوتهم في سبيل كرامة السوريين جميعاً.
إن محاولة تحميل هؤلاء الأهالي فاتورة البنية التحتية اليوم تبدو وكأنها "عقوبة ثانية". فبعد سنوات من التهجير وفقدان الممتلكات، يُطلب منهم الآن القيام بدور الدولة في تمويل الخدمات الأساسية. إن العدالة تقتضي ألا يتحمل ثوار الأمس، الذين دفعوا ضريبة الدم والنزوح، فاتورة الإعمار وحدهم، بل يجب أن يتقاسم الجميع أعباء المرحلة بصفتها مسؤولية وطنية شاملة.
إن حق السكن والخدمات ليس "منّة" من وحدة إدارية، بل هو التزام قانوني دستوري. وإذا كانت المحافظة تعاني عجزاً مالياً، فالحل يكمن في إدارة الموارد وليس في استنزاف المواطن المنكوب. الكرة الآن في ملعب الجهات الرقابية واللجنة العليا المشكلة بموجب المرسوم 59 لتصحيح هذا المسار وضمان عودة كريمة للأهالي دون شروط مالية تعجيزية.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية