أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

سوق السبايا و"جهاد النكاح": بين الوقائع والتضخيم الإعلامي في الرقة

منذ سقوط الموصل واجتياح سنجار عام 2014، تشكلت سردية إعلامية واسعة حول الجرائم التي ارتكبها تنظيم "داعش"، خاصة بحق الإيزيديين، حيث وثقت تقارير دولية حالات سبي واختطاف. ومع الوقت، توسعت هذه السردية لتشمل مناطق سورية أخرى، من بينها الرقة، حتى غدا الحديث عن “سوق سبايا” و”جهاد نكاح” جزءاً من صورة نمطية متداولة عن المدينة.

لا شك أن مرحلة سيطرة التنظيم على الرقة كانت من أقسى المراحل التي عاشها أهلها، فقد شهدت المدينة القتل العلني وأشكالاً متعددة من الترهيب والتضييق الاجتماعي. غير أن تعميم بعض الممارسات التي ثبت وقوعها في مناطق محددة، على أنها كانت ظاهرة يومية علنية في الرقة، يحتاج إلى مراجعة دقيقة تستند إلى شهادات ميدانية موثقة.

لم يكن الإعلام وحده مسؤولاً عن هذا التضخيم؛ الأعمال الدرامية والأدبية لعبت دوراً كبيراً في ترسيخ الصور المكثفة. المسلسل المصري "بطلوع الروح" والمسلسل السوري "شوق" قدما سرديات عن سوق الجواري والزواج القسري، بينما مسلسل "ليلة السقوط" (2023) ركز على الموصل العراقية وما ارتكب فيها داعش من انتهاكات بحق الإيزيديات، ومسلسل "غرابيب سود" (2017) صور الحياة في المعسكرات في سوريا والعراق.

كذلك بعض الروايات الأدبية، مثل رواية الروائي الأردني أيمن العتوم, ساهمت في ترسيخ صورة مبالغ فيها عن المدن السورية وكأنها تعج بممارسات لم تحدث على أرض الواقع. كل هذه الأعمال، رغم اعتماد بعضها على وقائع أو روايات أشخاص عاشوا تحت حكم التنظيم، تكثف الأحداث بشكل كبير، وتقدم صورة مبالغ فيها عن الحياة اليومية، خصوصاً في الرقة، بما يخدم خطاب المظلومية للأقليات بعيداً عن الواقع الميداني الحقيقي.

بحكم وجودي في الرقة حتى آذار 2015 خلال ذروة سيطرة التنظيم، ومتابعتي لملفات إنسانية تتعلق بالمغيبين، لم أعاين وجود سوق سبايا علني داخل المدينة بالشكل الذي تم تداوله إعلامياً. الزواجات التي حدثت في تلك الفترة ارتبطت في كثير من الحالات بعوامل اقتصادية وضغوط معيشية، حيث استغل التنظيم الفقر والحاجة، وهو أمر يختلف في طبيعته عن صورة السوق العلني المنظم التي شاعت في بعض السرديات.

كما أن محدودية الوصول الميداني للعديد من الجهات الدولية في تلك المرحلة أدت إلى اعتمادها على شهادات غير مباشرة، وهو ما قد يفسر بعض التباينات في توصيف حجم الظواهر أو طبيعتها. وهذا لا ينفي وقوع انتهاكات، لكنه يدعو إلى التمييز بين الحالات الفردية المثبتة وبين تعميمها بوصفها واقعاً يومياً شاملاً.

ولا يمكن قراءة هذا التضخيم بمعزل عن السياق السياسي للصراع السوري. فقد استفاد نظام الأسد من ترسيخ صورة نمطية تختزل المشهد في "سوق سبايا" و"جهاد نكاح"، ليعزز سرديته القائلة إن ما جرى في سوريا لم يكن سوى تمرد تقوده جماعات متطرفة، متجاهلاً التعقيدات الاجتماعية والسياسية الأوسع.

في المقابل، وجدت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في هذه السرديات مادة تخاطب بها الرأي العام الدولي، عبر إبراز نفسها بوصفها الطرف الذي واجه أقسى ممارسات التنظيم، وهو توصيف لا يلغي جرائم داعش، لكنه في الوقت نفسه ساهم في تعميم صورة معينة عن مجتمعات بأكملها.

كما نشطت خلال تلك المرحلة منصات إعلامية ومواقع إلكترونية تداولت روايات غير مدققة أو مبالغاً فيها، وبعضها أُثيرت حوله تساؤلات تتعلق بارتباطاته أو مصادر تمويله، ما جعل الخط الفاصل بين التوثيق المهني والدعاية السياسية أكثر ضبابية. إن الإشارة إلى هذا التوظيف لا تهدف إلى إنكار الانتهاكات التي وقعت، بل إلى التنبيه إلى كيفية تحوّل بعض الوقائع إلى أدوات ضمن صراع سرديات، حيث تتداخل الحقيقة مع الدعاية، ويصبح من الصعب على المتلقي التمييز بين ما هو موثق وما هو مُعاد إنتاجه لخدمة أجندات متعارضة.

إن إعادة قراءة تلك المرحلة بهدوء ومسؤولية لا تهدف إلى التخفيف من خطورة ما حدث، بل إلى ضبط السردية ضمن إطارها الواقعي، بعيداً عن المبالغة أو التعميم. فالرقة كانت مدينة تحت سلطة تنظيم متطرف، لكنها لم تتحول – وفق شهادات عديدة من سكانها – إلى الصورة الأسطورية التي رُسمت لها في بعض المنابر.

ما تحتاجه الذاكرة السورية اليوم هو التوثيق الدقيق القائم على الشهادات المباشرة والمصادر المتقاطعة، لا الاكتفاء بالصور المكثفة أو المعالجات الفنية. فحفظ التاريخ مسؤولية أخلاقية، تقتضي التفريق بين الوقائع المثبتة وبين التهويل الذي قد يرافقها في سياقات إعلامية أو سياسية.

الرواية المتوازنة، المستندة إلى الشهادة الميدانية، تبقى الطريق الأصدق لفهم ما جرى، بعيداً عن التوظيف أو المبالغة، وبما يحفظ كرامة الضحايا وحق المجتمعات في عرض تجربتها كما عايشتها فعلاً.

ريم الناصر - زمان الوصل
(6)    هل أعجبتك المقالة (5)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي