أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بيوت من عمر دمشق لكن تصنيفها لا يزال زراعياً.. أهالي القابون وجوبر ينتظرون العدالة

حي القابون

خمسون عاماً مضت على بناء أهالي حي القابون وجوبر لمنازلهم، دفعوا خلالها الضرائب والرسوم، ووصلتهم الخدمات من ماء وكهرباء وهاتف، وعاشوا فيها أجيالاً. لكن مع كل محاولة تنظيم جديدة، يصطدمون بحاجز قانوني عجيب: أراضيهم ما تزال مسجلة في المصالح العقارية على أنها "طابو زراعي"، وكأن البيوت التي تقف على الأرض غير موجودة!

جوهر المشكلة
المحافظة تتعامل مع الملف وكأنه أراضٍ جرداء سيتم تنظيمها، بينما الواقع أن المنطقة بأكملها عبارة عن أحياء سكنية مكتظة، بنيت على أراضٍ زراعية سابقاً (غوطة شرقية). الأهالي اشتروا هذه الأراضي منذ سبعينيات القرن الماضي، قطعوا أشجار الزيتون وشيدوا مساكنهم، ومع الوقت اعترفت بهم الخدمات البلدية، ودفعوا ضريبة المحافظة المعروفة باسم "الترابية" لعقود. هذا الدفع المنتظم للضرائب هو إثبات عملي على أن المنطقة أصبحت جزءاً من النسيج العمراني للمدينة.

الطابو الزراعي: وثيقة ملكية لكن بتصنيف خاطئ
ما يمتلكه الأهالي هو "طابو زراعي" (أو ما يعرف بالأراضي الزراعية)، وهي وثيقة ملكية معترف بها قانونياً، لكن المشكلة أنها تحمل تصنيفاً زراعياً لا يتطابق مع الواقع المبني. هنا تكمن المعضلة: الدوائر العقارية لم تُحدّث تصنيفها رغم مرور نصف قرن على التحول العمراني، والمحافظة تتعامل مع هذا التصنيف القديم وكأنه مبرر لإعادة النظر بملكية الناس!

عقدة الثلاثين بالمائة ومشكلة التجزئة:
المشكلة الأعمق تكمن في آلية المعالجة نفسها؛ فالمحافظة تعتمد على تصنيف "العشوائيات" الذي يطال أجزاء واسعة من القابون وجوبر وحي تشرين المجاور. لكن ما تخفيه الأرقام أن نسبة الثلاثين بالمائة المخصصة للتنظيم تعني عملياً توزيع مساحات ضئيلة على السكان. فكيف ذلك؟

في العديد من الأبنية، يتوزع الطابق الواحد على أكثر من مالك (اثنان، ثلاثة، أربعة، أو حتى خمسة ملاك). عندما تأتي آلية التنظيم لتعويضهم على أساس مساحة الأرض الكلية، يجد المالك الواحد نفسه يحصل على بضعة أمتار فقط، لا تتجاوز العشرة أمتار أحياناً. النتيجة: يصبح بقاء السكان الأصليين في منطقتهم مستحيلاً، ويجدون أنفسهم مطرودين بحكم الأمر الواقع.

وهنا يطرح الأهالي سؤالاً مشروعاً: هل المحافظة عمياء عن هذه المشكلة؟ هل تدرك أن آلية المعالجة الحالية تعني تهجيراً مقنعاً لأهالي المنطقة؟ أم أنها تعلم ذلك وتصر على حل مستحيل يعلم الجميع أنه مرفوض؟ فإذا كان الحل بهذا الشكل، فكل الأهالي يرفضونه، ويكتفون بالانتظار أملاً بحل أفضل.

المحافظة تتبرأ من واجبها.. وتتعامل كتاجر!
الأمر الأكثر إثارة للاستغراب أن المحافظة تتعامل مع ملف الخدمات وكأنها تاجر يقدم معروفاً، متناسية أن تقديم البنية التحتية هو صلب عملها وأول واجباتها. فمحافظة دمشق هي دوائر الخدمات، وهي الجهة الأعلى المسؤولة عن تأمين الماء والكهرباء والمجاري والطرقات. تقديم هذه الخدمات ليس منةً، بل هو الوظيفة الأساسية للمحافظة. العجب أن نرى محافظة تتنصل من هذا الواجب وتتحدث عنه وكأنه هبة تمنحها للمواطنين، بينما هي أنشئت أساساً لتقديم هذه الخدمات.
ليست مهمة المحافظة فقط تزيين الأرصفة ودهانها والأمور التجميلية، بل البنية التحتية هي العصب الحقيقي لعملها.

دعوة لحلول بديلة
بدلاً من سياسة الإزالة والترحيل عبر آليات مجحفة، يطالب الأهالي بحلول تحفظ حقوقهم: إما تحديث التصنيف العقاري ليتوافق مع الواقع، أو توفير بدائل سكنية مناسبة في ضواحي ريف دمشق على أراضٍ غير مزروعة. الأهالي مستعدون للانتظار والصبر، لكنهم يرفضون أن يكون التجميل على حسابهم، أو أن تُنتزع حقوقهم بحجة قانونية قد تجاوزها الزمن.

ملف القابون وجوبر ليس مجرد قضية تنظيم عقاري، بل هو اختبار لمدى قدرة الدولة على الموازنة بين القانون والواقع، وبين حقوق المواطنين ورؤيتها التطويرية. الأهالي لا يطلبون أكثر من اعتراف بوجودهم، وبيوتهم التي شيدوها بأيديهم قبل عقود. 

زمان الوصل
(4)    هل أعجبتك المقالة (3)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي