بينما تطوي البلاد صفحة الحقبة الماضية، تبرز إلى السطح قضية آلاف الأحكام القضائية الصادرة عن محاكم الجنايات (المالية والعادية) التي بُنيت بالكامل على محاضر "مفبركة" في أقبية الفروع الأمنية، وعلى رأسها الفرع 248 سيئ السمعة.
تُسلط حالة أحد المهندسين السوريين (مسيحي) الضوء على عمق المأساة؛ حيث لم يمنع الاختلاف الأيديولوجي والجذري المحققين من إجباره على البصم على "أوراق بيضاء" لُفقت فيها اعترافات حول صلات بتنظيم "داعش".
هذه الاعترافات، التي انتُزعت تحت التعذيب والترهيب، تحولت لاحقاً إلى "أدلة دامغة" أمام محكمة الجنايات المالية في حمص، متجاوزةً كل الدفوع القانونية، بما فيها شهادات النفي الرسمية الصادرة عن الجهة المدعية نفسها.
توجيهات فوق قانونية
لا تقتصر المشكلة على فبركة المحاضر فحسب، بل تمتد إلى شلل المنظومة القضائية حينها؛ حيث يكشف الضحايا عن وجود "توجيهات" شفهية وكتابية من وزير العدل في النظام البائد تمنع قبول الاستئناف أو النقض في القضايا ذات "الصبغة الأمنية"، حتى وإن كانت تُنظر أمام محاكم مدنية.
هذا الحرمان من درجات التقاضي جعل من الأحكام الجنائية "أدوات عقاب سياسي" بامتياز.
عقبة القوانين القديمة
رغم التحرر، يصطدم الضحايا اليوم بجدار "الجمود القانوني". فالإجراءات الحالية أمام إدارة التفتيش القضائي لا تزال محكومة بنصوص قانونية وضعتها السلطة السابقة، مما يجعل إعادة المحاكمات أو رد الاعتبار أمراً معقداً مالم يصدر مرسوم تشريعي خاص يعالج "الأحكام الصادرة بناءً على محاضر أمنية" في الحقبة البائدة.
مطالب بـ "ثورة قضائية"
يرفع المتضررون، ومن بينهم مهندسون وحقوقيون وموظفون سُلبوا حرياتهم وأموالهم بغرامات جائرة، صرخة إلى الجهات المسؤولة وإدارة التفتيش القضائي بضرورة:
- تشكيل لجنة قضائية مستقلة لمراجعة كافة الأحكام الجنائية التي استندت حصراً إلى محاضر الفروع الأمنية دون أدلة مادية (فنية أو حيوية).
- اعتبار "البصمة على بياض" وقائع تزوير مادي توجب بطلان الحكم فوراً.
- تفعيل دور الرقابة القضائية للنظر في الشكاوى المكدسة التي تتجاهل خصوصية المرحلة الانتقالية.
إن بقاء هذه الأحكام "المنعدمة قانوناً" نافذةً، لا يعني استمرار الظلم للضحايا فحسب، بل يمثل استمراراً لروح النظام الساقط في جسد القضاء الجديد.
الأناضول
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية