أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"القيصر – لا مكان لا زمان" يسلّط الضوء على جرائم السجون ويعيد روايات الضحايا

تُتيح هذه الدراما التلفزيونية الوثائقية (القيصر – لا مكان لا زمان) في رمضان 2026 فرصةً واسعةً لضحايا العهد الأسدي وعائلاتهم لرواية تجاربهم الشخصية داخل المعتقلات سيئة الصيت والسمعة، كما تحلّل الثلاثيات الدرامية الآليات المروّعة للاستغلال الجنسي الذي مارسه عناصر الفروع الأمنية المنفلتة من أي رادع، دون أن تُجيب عن جميع الأسئلة العالقة.

في عتبة السرد البصري الأولى، نعثر على شخصية "ماي" التي جسّدت دورها الممثلة دانا مارديني، معتقلةً في زنزانة منفردة داخل مقر فرع أمني، حيث يمارس الضابط "يسار"، الذي أدّى دوره الممثل سامر كحلاوي، أشدّ صنوف التعذيب النفسي والجسدي بحقها، من "بساط الريح" إلى "الشبح"، وصولًا إلى أنماط لا نهائية من العذاب المتخيَّل في عقل هذا الضابط القاسي. ولعلّ الاغتصاب الذي تعرّضت له "ماي" يأتي كترميز وإيحاء لاغتصاب الوطن نفسه على مدى عقود، على يد حفنة من المتوحشين.

وبعيدًا عن حسم الجدل الشائك حول العمل، وما أُخذ عليه من بعض الهفوات والسقطات، تركّز هذه الدراما المؤلفة من ثلاثيات تمتد على 30 حلقة، ومن إخراج صفوان نعمو، على تتبّع خيوط قضية التعذيب الواسعة والمنهجية في سجون النظام المخلوع، والتي نُظّمت على مدى عقود خلال مرحلتي حكم البعث وسلطة الطائفة. ويستند العمل إلى قصص حقيقية، مع إعطاء الأولوية لأصوات الضحايا.

تشهد الحلقات الأولى صمود "ماي" في مواجهة "يسار" بكرامة لافتة، كما ترصد الجحيم الذي عانته عندما تقاطعت طرقها، وهي في سن المراهقة، مع طريق رجل أمن. وبقدر كبير من ضبط النفس، يمنح المخرج الوقت الكافي لسرد قصتها: الوصف الخام والمروّع للأحداث، وأساليب التلاعب، والخوف، والشعور بالذنب، والاتهامات التي قوبلت بالتهديد والترهيب. غير أن السرد، بعيدًا عن الاكتفاء بالصدمة، يعيد بناء صورة مفترس مرعب، نرجسي ومتغطرس، مقتنع بأن المال والعلاقات والسلطة كفيلة بضمان إفلاته من العقاب إلى الأبد.

تبدأ العديد من هذه القصص عند الحواجز الأمنية، حيث انتشرت لسنوات حيلة مشبوهة: لقاء بضع مئات من الدولارات، كان يتم القبض على الناس عشوائيًا، تبعًا لمناطقهم الجغرافية. وقبل أن تدرك الفتيات ما يحدث، وجدت قاصرات، بعضهن في الرابعة عشرة من العمر، أنفسهن تحت رحمة أمثال "يسار".

ولا تُغفل الكاميرا التنقّل بين داخل وخارج بؤرة الاعتقال، من الزنازين إلى بيوت الأهل والأحبة والأصدقاء، راصدةً الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي خلّفتها هذه المنظومة على المجتمع بأكمله. وفي وقت مبكر من الحدث الدرامي، تتعرّض "ماي" للتحرّش من أحد العناصر أمام شقيقها، قبل أن تنقطع صلتها به نهائيًا، في مشهد يعمّق المأساة الإنسانية. وهكذا يتخذ عمل "القيصر" طابع إدانة صريحة لنظام أمني يعاني من عمى أخلاقي ورؤية مشوّهة.

يوجّه العمل الاتهام مباشرةً إلى الجلاد الأسدي، ولهذا تبدو صدمة سقوطه مفهومة؛ فالضحايا اليوم تُسمَع أصواتهم في محاكمة علنية طال انتظارها. ومع ذلك، تبقى أسئلة مقلقة عديدة بلا إجابة، من بينها الحجم الحقيقي لتورّط شخصيات معروفة بصلتها بهذه المنظومة، والتي لم يُشر إليها العمل سوى بإيجاز.

وعلى الرغم من دقته، لا يغوص المسلسل في تفاصيل التحقيقات، مكتفيًا بعرض عناصر من الملف القانوني الشامل. ويقدّم ملخصًا مكثفًا لا يتجنّب المشاهد القاسية التي اعتادت أفلام الجريمة الحقيقية عرضها، مذكّرًا بمأساة حقبة الأسد، حين لم يكن لأصوات الشابات المكسورات أي وزن يُذكر أمام ثروة المعتدين وسلطتهم.

أحمد صلال - زمان الوصل
(8)    هل أعجبتك المقالة (8)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي