في الثانية والعشرين حتى الخامسة والعشرين من عمري، أمضيتُ عدة أشهر في مختلف السجون السياسية والفروع الأمنية. كنتُ فوضويًا سوريًا عاشقًا للحرية؛ تجربةٌ استلهمتُ منها مذكراتي المؤلمة عن السجن، والتي تُعدّ في آنٍ واحد إدانةً لا هوادة فيها لنظام السجون الأسدي، وبيانًا فوضويًا، ودراسةً إثنوغرافية، وسردًا شخصيًا متجذرًا في سياقه التاريخي. وفي ثناياها تكمن إنسانيةٌ صامدة لا تزال شامخة.
إن معاناة المعتقل، وهو يواجه طول مدة عقوبته التي لا تُصدَّق، مُعدية. ولأن الكاتب لا يخلق شخصيةً بديلةً خيالية، فإن الرعب لا يُخفى. لا يدخل الهواء إلى الزنزانة، ويجد القارئ نفسه مدفونًا معه. خلال تلك السنوات الثلاث التي قضيتها في خضمّ الثورة السورية، أُتيحت لي، أنا أحمد صلال، فرصة تحمّل أبشع الانتهاكات وأفظع العقوبات، لكنني قاومت أيضًا عبر تجميع ثروة من المعلومات تُفكّك آليات النظام، وتُحلّله، وتترك أثرًا لهؤلاء الرجال “الذين نسيهم الجميع”.
أُؤسّس هنا لنوعٍ من علم اجتماع الحياة في السجون، مُحدِّدًا الشبكات والثقافات، ومُحاورًا الجميع، بمن فيهم الحراس، ومُقدّمًا لمحةً عن المعتقلين الآخرين. تعجّ الممرات بالسواد والمسجونين، والعمّال المتمرّدين، والأفراد المُهمَّشين، والبروليتاريين الذين لا يغادرون السجن إلا ليعودوا إليه. ومن هذا التناوب بين المشاهد الكاشفة وتحليل البُنى، يتبلور استنتاجٌ مفاده: خلف الجدران، يشتدّ الصراع الطبقي والعنصرية، وتسود اللاشرعية والتعسّف.
في هذا العالم الذي يُشبه السجون النازية، تقوم الحياة على الاعتقال والتغييب القسري، والوجع، والموت. لا أغفل في كتابة هذه المذكرات عن الأبعاد النفسية: الكراهية، والمؤامرات اليومية، والصراع الدائم المُرهِق. عالمٌ يمتزج فيه الحديث بالقديم؛ أحيانًا زنزانة بحلقات مُحكَمة، وأحيانًا سترة مُقيِّدة لا تُنزع لأيام متواصلة.
هذا الانضباط الذي لا يُطاق يُدمّر الرجال ويدفعهم إلى الجنون: "واحدًا تلو الآخر، يتزايد عدد الرجال في الصفوف؛ يمشون ببطء، مُنحنين من السعال، ينزلون الدرج الحاد بعرجٍ مؤلم. يأتون من جميع الطوابق: رجال مُسنّون مُتهالكون، شباب مُصابون بالسل، آخرون بالربو والعرج، رجل أسمر مُسنّ يترنّح، وشاب أبيض ذو تعبير بليد—مُنهَك، بلا حياة—يُشكّلون موكبًا مُرعبًا من المُعاقين، ذوي العيون الدامعة، شاحبين في وادي الموت".
هكذا بدأ شعوري في اعتصام مجلس الشعب في 3 شباط 2011، عقب اعتقالي الأول قبيل انطلاق الثورة السورية. ومنذ ذلك الحين لم أخرج من هذا الكابوس، وأصبحتُ لاحقًا أحد مؤسسي التنسيقيات، الحامل الشرعي للحراك الثوري.
كيف أستذكر اليوم، بعد خمسة عشر عامًا، تلك اللحظة التي دعت فيها مجموعة من المعارضة التاريخية السورية إلى اعتصامٍ أمام مجلس الشعب؟ كنتُ يومها فتىً يعمل في الصحافة الرسمية، دون أن أذوق طعم الحرية، وأتذكر قائلًا: "الصمت ينوح".
يستغلّ السجن نزلاءه ويُدمّرهم. في هذا الوصف المطوّل لنظامٍ مريض، لا يظهر السجن كشذوذٍ عنيف في بنية النظام، بل كجوهرٍ له. كان ذلك شعوري الأول عقب اعتقالي من أمام البرلمان، يوم فرغ مقهى الروضة الدمشقي من زبائنه الكُثُر، وحلّت مكانهم قلّة من الحالمين بالحرية، تحيط بهم من الداخل والخارج قوات الجيش والشرطة والفروع الأمنية بمختلف تشكيلاتها. بدت المنطقة وكأنها في حالة حربٍ مستعرة.
في ظل هذه الظروف، كيف يمكن للمرء أن ينجو؟ يتجلّى الجانب الأكثر بشاعة في هذه التجربة عندما أستعيد صورة عناصر من أمن الدولة يقتادونني إلى مدخل أحد الأبنية، ويُشبعونني ضربًا وتنكيلاً؛ عناصر متوحشة للعنف.
حتى في عزلتي، أدركتُ أن لمعاناتي دلالاتٍ سياسية متجذّرة في التاريخ والمجتمع. هذا الوعي هو ما منحني القوة. وبعد إطلاق سراحي، أصابني وهنٌ عميق، واستغرقني قرابة خمسة عشر عامًا للتعافي نفسيًا من محنتي، ولا سيما عبر كتابة هذه المذكرات التي تروي حياتي (الحرّة!) في السجن. أنقذني النضال؛ أنا الرجل الذي سيغدو لاحقًا شخصية بارزة في النشاط الثوري وقوة دافعة له.
على نحوٍ غير متوقّع، رسمت هذه التجربة صورةً آسرة: الخلاص الوحيد لإنسانيةٍ ضائعة لدى السوريين هو الحرية. كل صفعةٍ من صفعات عناصر أمن الدولة، وكل ركلةٍ من ركلاتهم القاسية، تنبض بكلمات رثاء لأصدق شعورٍ تجاه وطنٍ مسروق، خلفه ثوّار يطالبون بحقهم.
أجمل المقاطع وأكثرها إيلامًا تتناول هذا الحبّ المثلي الذي لم أتوقّعه، أنا أحمد الإنسان قبل كوني صحفيًا؛ جمرٌ في عالمٍ من الرماد. هنا تبلغ السرد ذروته، في جوهره العاطفي والسياسي. نسمع هؤلاء الرجال يُعبّرون عن حبّهم لوطنهم، بكل ما فيه من تردّدٍ وشغفٍ جارف، وهم يشقّون طريقهم عبر محظوراتهم وظلام مؤسسةٍ تسعى إلى تجريدهم من إنسانيتهم.
لقد تلاشت مملكة الصمت الأسدية بصفحاتها إلى الأبد. وأنا منتبهٌ لكل تفصيلٍ دقيق، لكل إمكانيةٍ للوجود الإنساني، يتشكّل تطوّرٌ يُفضي إلى فوضويةٍ أقل تجريدًا وأكثر شمولًا؛ فوضويةٍ ثورية.
أحمد صلال - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية