أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

"زمان الوصل" تميط اللثام عن تاريخ وأسرار أكبر تاجرين متهمين بالتورط بتسويق الآثار السورية

تقارير خاصة | 2018-07-02 04:23:29
"زمان الوصل" تميط اللثام عن تاريخ وأسرار أكبر تاجرين متهمين بالتورط بتسويق الآثار السورية
   علي أبو طعام - زمان الوصل
إيثار عبدالحق-زمان الوصل-خاص

تمكنت "زمان الوصل" من الحصول على معلومات رسمية وموثقة حول أهم شخصيتين متهمتين بالاتجار بالآثار السورية المنهوبة، التي تشكل الجانب الخفي والمظلم من الكارثة المحدقة بهذا البلد، منذ أن قرر حاكمه شن حرب على الشعب بلا هوادة، ولا خطوط حمراء، حتى ولو كلفه ذلك تدميرها كليا وإحراقها بكل من فيها وما فيها، مصداقا لشعاره المردد على ألسنة شبيحته "الأسد أو نحرق البلد".

وتكمن أهمية بعض المعلومات التي سندرجها في سياق تحقيقنا الحالي، في كونها –أولاً- معلومات لم يسبق لأي وسيلة إعلام عالمية أو سورية أن نشرتها على الإطلاق، وثانيا في كونها تركز على 3 محاور رئيسة، تدور حول وتتعلق بـ:

*البيانات الخاصة بتاريخ تاجري الآثار وسجلهما الرسمي الأسود فيما يخص الآثار السورية تحديدا.
*العلاقات العائلية التي تربط هذين التاجرين بزعيم مليشيا "حزب الله".
*الروابط المحتملة بين التاجرين وملف تنظيم "الدولة" وتمويله، عبر شراء آثار نهبها عناصر التنظيم من سوريا، وباعوها أو سعوا لبيعها.
*خلف الثروة والشهرة وأمامهما

تجسد حكاية الأخوين اللبنانيين علي وهشام أبو طعّام، في ظاهرها، قصة نجاح استثنائية من شأنها أن توقظ فضول وغيرة أكثر الساعين في ركب الثروة والشهرة، لما تحويه من عوامل إثارة جمعت لهذين الأخوين الخمسينيين المال مع مجد التراث الإنساني بكل تنوعاته، وبكل إبهاره الذي يخترق طبقات الزمن، ويلبي شهوة السطوة على التاريخ كما الحاضر.

ولكن وراء قصة نجاح الأخوين "أبو طعام" عددا من الصفقات الملتبسة، وأمامها كثير من علامات التعجب والاستفهام، وبقدر ما تكشف الأيام عن تلك حقيقة تلك الصفقات، بقدر ما تسقط علامات تعجب واستفهام تحيط بسيرة الرجلين.

وعلى هذا الأساس، سنبدأ تحقيقنا من آخر ما كُشف عن الأخوين "أبو طعام"، ونقصد بذلك خبر قيام السلطات البلجيكية بفتح تحقيق حول تورطهما في تسويق قطعتين أثريتين منهوبتين من سوريا، وترويجهما عبر شركتهما ("فينكس إنشنت آرت"، الفن الفينقي العتيق).

وتعود جذور هذه القضية، التي ليست سوى فرع في شجرة قضايا متشابكة تخص الأخوين.. تعود إلى مطلع 2016 عندما صادرت بلجيكا الأثرين السوريين المرسلين من الأخوين "أبو طعام" إلى معرض بروكسل للفنون الجميلة المعروف باسم اختصارا باسم "برافا"، متحديين الحظر القطعي والشامل ضد تسويق الآثار السورية، المفروض من مجلس الأمن بالتزامن مع نشوب الحرب في سوريا وانتشار الفوضى الكبيرة، التي أدت لبروز عصابات من شتى الألوان والتوجهات، تتاجر بكل شيء مهما خَطُر شأنه أو ندرت رمزيته أو علت حساسيته.

على الأرجح، لم يكن في حسابات الأخوين "أبو طعام" وهما يقومان بهذه الخطوة التي أحبطتها بلجيكا، ولا بما سبقها من صفقات تخص الآثار السورية.. لم يكن في حسابهما أن يحصدا شوكها بدل العنب، وأي حصاد يمكن لشركة تعمل في الغرب أن تناله، أمرّ من حصاد التعامل مع تنظيم من عيار تنظيم "الدولة"، والتلبس بشبهة المتاجرة معه بتراث بلد مسروق، ما يمثل تمويلا لنشاطه "الإرهابي"، ولنا في ما لحق بعملاق صناعة الإسمنت (لافارج) عبرة، بعدما كانت "زمان الوصل" أول من كشف عن علاقاتها التمويلية مع التنظيم (للاستزادة

بالمستندات والشهادات.. "زمان الوصل" تفتح ملف علاقة أكبر شركات الإسمنت في العالم بتنظيم "الدولة" (ج1)

أطنان من مادة متفجرة وتستخدم وقودا للصواريخ استولى عليها التنظيم من "لافارج"، فما مصيرها؟ (ج2)

واليوم، كما بالأمس، تتابع جريدتنا مسارها في كشف الخيوط، ووضع نقاط الوضوح على القضايا المبهمة، معتمدة على ما تملكه من معلومات حصرية.. رسمية لا تقبل التشكيك، موثقة عمادها البيانات المتقاطعة والوقائع الثابتة.

*53 قطعة
أول غيث هذه البيانات، هو التعريف بهوية الأخوين "أبو طعّام"، وتقديم "كشف حساب" مبسط عما ورد بحقهما في وثائق سورية رسمية، تسبق قضية بلجيكا بنحو 16 سنة.

تقول الوثائق التي بين يدي "زمان الوصل"، إن "علي أبو طعام" ولد سنة 1965 لأبوين لبنانيين هما "سليمان أبو طعام" و"س.خ"، وإنه الأخ الشقيق لـ"هشام"، شريكه ومدير فرع "فينيكس إنشنت آرت" في نيويورك.

وتكشف الوثائق أنه في عام 1999 أصدر قاضي التحقيق في قضايا الأمن الاقتصادي بدمشق "مذكرة إحضار" بحق الأخوين اللبنانيين، بعد ضبط شحنة من الآثار السورية المهربة إلى كندا عبر لبنان، على اسم وعن طريق "فينيكس إنشنت آرت".

ويؤكد واقعة تهريب الآثار السورية وضبطها في كندا، كتاب صادر عن شعبة الاتصال في بيروت (التابعة للشرطة الدولية "إنتربول") مؤرخ في سنة 2000، يتحدث عن ضبط السلطات الكندية شحنة من اللقى الأثرية عددها 53 قطعة، تم تهريبها من طرابلس اللبنانية إلى كندا لصالح "أبو طعام"، وقد تمت مصادرة 39 قطعة أثرية منها.

ووفقا لمعلومات "زمان الوصل" فقد استطاعت سوريا استعادة جزء من تلك القطع الأثرية المنهوبة، وتسلمتها رسميا، لتُطوى ولو إلى حين صفحة "أبو طعام" و"فينيكس إنشنت آرت" السوداء في المتاجرة بالإرث الحضاري السوري المنهوب.

ولكن هل كانت واقعة تهريب القطع الأثرية إلى كندا هي الصفحة الأولى أو الأخيرة، في سجل "أبو طعام"، وهل هناك جدوى من النبش في وثائق وثبوتيات تعود إلى 18 سنة مضت؟

جواب هذين السؤالين البسيطين شكلاً، العميقين مضمونا، لن تقدمه "زمان الوصل" من فمها لأن ذلك ينافي المهنية، بل ستترك سيرة "أبو طعّام" لتتحدث عنه وتسرده، من يوم أن أسس الأب "سليمان" شركته في بيروت في ستينات القرن الماضي وحتى هذه اللحظة.

فبعد أن بنى "سليمان أبو طعّام" ثروة لايستهان بها من التجارة مع بواخر الأمريكان الوافدة إلى الكويت، عاد الرجل أدراجه إلى بيروت، ليؤسس ما كان حلم حياته ومثار شغفه وهوسه.. شركة تعنى بجمع اللقى والكنوز الأثرية من أسواق الشرق المفتوحة على الفوضى، وبيعها في أسواق الغرب المتعطشة للتاريخ والعائمة على قدر هائل من المال.. هائل لدرجة أنه لفرط ما يثير لعاب المرء فإنه يجففه!

*المدرسة وطالباها ودروسها
كان من البديهي أن تكون سوريا الغنية بآثارها بؤرة محورية من بؤر نشاط "سليمان أبو طعام"، الذي عكف على تغذية ولديه "علي" و"هشام" بشغف ما لبث أن ملأ حياتهما وتحكم بمسارها، فصارا منذ سن المراهقة تاجرين "مرّين" –بالتعبير العامي الدقيق-، إلى درجة أن الفتى "علي" كان قادرا ذات مرة وفي مطلع الثمانينات (بينما كانت رياح الحرب اللبنانية تعبث بلبنان وسوريا).. كان قادرا أن يكسب عمولة تقدر بـ15 ألف دولار من إحدى صفقات الآثار، بينما كان في طريقه إلى المدرسة!، معتمدا على "مدرسة" والده سليمان في اقتناص الفرص.

ولأن الأب يدرك قيمة الكنوز، فقد كان سخيا للغاية في تخليص كنزه الأثمن، ابنه البكر "علي" الذي خطف في سوريا لاحقا لمدة تناهز 10 أيام، واضطر والده لدفع نصف مليون دولار فدية لفكاكه، وهو مبلغ ضخم جدا جدا بمقياس تاريخ الخطف (أواسط ثمانينات القرن الماضي)، وربما يشير بالفعل إلى أمرين: الأول مدى تقدير الوالد لابنه البكر وحرصه على استمرار ذريته التي تحمل شهرته وترث ثروته، والآخر مدى نفوذ وقوة "العصابة" التي خطفته، إلى درجة أن تاجرا يلعب بالملايين وله بلا شك علاقات مع كبار مسوؤلي نظام الأسد من سياسيين ومخابراتيين، لم يستطع تخليص ابنه "مجانا"، بل أجبر على دفع فدية باهظة، ربما تكون أيضا شكلا من أشكال تصفية الحسابات.

لم تتوقف "مدرسة" سليمان أبو طعام، عند حدود شركته التي أسسها في بيروت، وتحولت على يديه سريعا إلى "مغناطيس" يحذب كل سماسرة وتجار الآثار من سوريا والعراق وتركيا واليونان ومصر و.. إليه، بل استفاد الرجل من "درس" التجارة الحرة التي خبرها في موانئ الكويت، ورأى أن أوان تطبيق التجربة قد حان، ولكن هذه المرة في سويسرا، المعقل العالمي الأبرز للأموال، والملاذ الأشد "أمانا" لكل هواة ومحترفي التجارة بالأشياء الباهظة والسلع الفارهة، بدءا من الألماس والتحف الفنية واللقى الأثرية، وانتهاء بالخمور المعتقة والكافيار.. ففي سويسرا وحدها 17 ميناء (منطقة) حرة، كانت وحتى وقت قريب، تمثل "جنة" لكل هؤلاء الحيتان الكبار، أولاً من الناحية الضريبية حيث لا يدفع التاجر ضريبة على "سلعته" مهما خزنها من سنوات، إلا حين يخرجها من المستودعات ويبيعها، وثانيا من ناحية تأمين إخفاء تلك "السلع" عن عيون "أصحاب الحق" فيها، والمتربصين بمراقبة مسارها.. كما سيتضح لاحقا من سيرة "أبو طعام" مع قناع "ربة الجمال المضاعف".

ولكن لنعد سريعا إلى سيرة الأخوين "أبو طعام" مع الآثار السورية، فهذا في النهاية لب تحقيقنا ومقصده الرئيس، حيث لاحظ معد التحقيق أن هذه السيرة انتقلت في ظرف سنوات من لصق شهادة المنشأ السورية زورا، إلى إنكار المنشأ السوري كليا أو جزئيا، وبمعنى آخر فقد تحولت علاقة الأخوين بالآثار السورية 180 درجة، منتقلة من الانتحال الزائف إلى التبرؤ والنفي، فصار هاجسهما نزع الصبغة السورية عن آثار سورية، بعد أن كان شغلهما إلصاق صفة "سورية" بآثار غير سورية.

ليس هناك من تفسير أنسب لتوضيح ما ذكرناه آنفا وإثباته عمليا، من الاعتماد على وقائع محاكمتين كان "هشام أبو طعام" طرفا فيهما، ولم يفصل بينهما سوى 13 عاما إلا 7 أيام بالتمام والكمال.

*مذنب
ففي صيف 2004، أقر "هشام أبو طعام" أمام محكمة أمريكية أنه كان "مذنبا" لأنه قام بتزوير شهادة منشأ آنية شراب (مشربة) نادرة، فادعى أنها ذات منشأ سوري، وباعها بمبلغ 950 ألف دولار، مع إنها في الواقع من منشأ إيراني، حسب ما أثبتت تحقيقات السلطات المختصة وأيدها إقرار "هشام"، الذي برر جريمته بالقول إنه اضطر لذلك لأنه الزبون كان متلهفا على شراء المشربة، فيما كان "هشام" قلقا من أن يؤخر موظفو الجمارك الأمريكيون إعطاءه الموافقة على استيرادها وشحنها نحو الولايات المتحدة.

وفي صيف 2017، تصدى "هشام" نفسه لرفع دعوى ضد صحيفة شركة "داو جونز" الأمريكية، مالكة صحيفة "وول ستريت جورنال" التي نشرت تحقيقا أشارت فيه بأصابع الاتهام إلى الأخوين "أبو طعام"، وعلاقاتهما بشراء آثار سورية منهوبة على يد تنظيم "الدولة".

وقد كلف "هشام" محاميه بإعداد مذكرة دعوى استغرقت 30 صفحة، أخضعتها "زمان الوصل" للتمحيص فوجدت -على سبيل المثال لا الحصر- أن "هشام" الذي انبرى لإلصاق صفة "سورية" بمشربة "إيرانية" قبل سنوات، هو نفس "هشام" الذي ينكر في دعواه ضد "داو جونز" أن تكون إحدى القطعتين المضبوطتين في بلجيكا ذات "هوية سورية"!

ففي الفقرة 36 (الصفحة 8 و9)، يقول "هشام" حرفيا: "أكد معد التحقيق (تحقيق وول ستريت جورنال) مرة أخرى أن القطع (المصادرة في بلجيكا مطلع 2016) هي قطع سورية، وكما أعلن دون إسناد أن السلطات البلجيكية تحقق فيما إذا كانت القطع قد تم التنقيب عنها (استخراجها) إبان اندلاع الحرب في سوريا. في ردها، أوضحت فينيكس (مديرها هشام أبو طعام): ليس حقيقة أن الأشياء المعنية هي من أصل سوري. فواحدة منهما بيزنطية (الطابع)، ويمكن أن يكون منشؤها –ببساطة- من أي مكان في الإمبراطورية البيزنطية، وهي على الأرجح جاءت من روما. تم عرض هذه القطعة في مزاد بباريس عام 2007 وتم شراؤها في مزاد أوروبي آخر عام 2010. أما القطعة الثانية فصدر فيها تقرير عن "آرت لوز ريجستر" (المؤسسة الرائدة في توثيق الآثار المفقودة)، وهذا التقرير يوضح أن فقدان القطعة عائد لفترة تسبق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الإقليم المعني (موقع ماري في منطقة البوكمال السورية)".

فما سر هذا التحول، وكيف باتت الهوية السورية لأي أثر يتاجر به الأخوان "أبو طعام" شبهة وتهمة يحاولان دفعها بكل السبل، بعدما كان إلصاق الهوية السورية طريقتهما المفضلة لتحصيل نحو مليون دولار، في واحدة فقط من الصفقات التي كُشف عنها، وهناك على الأرجح، ليس على نفس طريقة هشام!، بل قياسا إلى سيرة الأخوين.. هناك على الأرجح صفقات مماثلة (ألصقت فيها الهوية السورية بآثار غير سورية)، لكن عين المحققين ربما لم تلمحها ويد القضاء ربما لم تطلها.

سر التحول بسيط وواضح كالشمس، يفسره الحظر الكلي المفروض على التجارة باللقى والآثار السورية منذ اندلاع الحرب في هذا البلد، حيث صار التعامل بأشد أنواع السلع المحرمة أخف ضررا ووقعا سلبيا على أي شخص من التعامل مع آثار تحمل هوية سورية، أو حتى شبهة هوية سورية.

ومن هنا، ولما كانت الآثار السورية قبل سنوات الحرب مشاعا لكل من يريد المتاجرة بها في "السوق العالمية"، كان من السهل جدا على الأخوين "أبو طعام" وغيرهما من تجار التحف واللقى أن يقولوا للزبون "المتلهف": سيدي لا تخش شيئا، إنها قطعة آثار سورية!، أما بعد اندلاع الحرب وفرض حظر شديد من مجلس الأمن على ترويج الآثار السورية تحت أي بند، فقد باتت العبارة المفضل إسماعها للزبون المتعطش: سيدي لاتخش شيئا، فهذه القطعة الفريدة ليست سورية إطلاقا، بل لا علاقة لها بسوريا!

من يصدق؟
هكذا يتضح بالدليل الملموس والمقارنة الدقيقة، أن كل قيم التحقق والنزاهة والتمحيص والشفافية والمصداقية و...، التي يتحدث عنها الأخوان "أبو طعام" للصحافة أو يبرزانها و"يبروظانها" على مواقع شركاتهما ومتاجرهما، ما هي إلا شعارات رخوية تذوب في ملح الدولارات حالاً، ومما يسرع "ذوبانها" وجود ثغرة في ذهن الزبون أو القانون، تسمح بالاحتيال.

فعندما كانت التجارة بالآثار الإيرانية محظورة بشدة، كان الادعاء بأن المشربة الإيرانية هي مشربة سورية مفيدا في جلب 950 ألف دولار إلى جيب الأخوين، وعندما باتت الآثار السورية شبهة خطيرة والمتاجرة بها جناية، وشراء قطعها من تنظيم "الدولة"، على وجه الخصوص، جريمة لا تغتفر.. صار التهرب من الهوية السورية خيارا استراتيجيا لدى "أبو طعام".

ورغم أن ادعاء الهوية السورية للآثار أو التهرب منها، يتخذ طابعا ساذجا لدى الأخوين "أبو طعام" بعض الأحيان، فإنه ينفعهما في التملص من المسؤولية الجزائية غالبا، فقضية لصق الهوية السورية بالمشربة الإيرانية (التي بيعت بمليون دولار تقريبا)، اكتفى فيها "أبو طعام" بالإقرار بالذنب ودفع غرامة 5 آلاف دولار.. نعم فقط 5 آلاف دولار، وفي قضية القطعتين المصادرتين في بلجيكا منذ مطلع 2016، اكتفى "أبو طعام" برفع دعوى يتهم فيها من اتهمه، ويذهب فيها بكل سذاجة إلى حد القول إن أحدى القطعتين غير سورية، بل بيزنطية ومن روما "على الأرجح"، أما القطعة الأخرى فهي منهوبة من سوريا، ولكن ليس على يد التنظيم، فالمسألة هنا لدى "أبو طعام" لا تتعلق بإثبات البراءة من المتاجرة بآثار سورية منهوبة، بقدر ما تتعلق بإثبات أنها لم تنهب على يد التنظيم، وبالتالي فإن الأخوين اللبنانيين غير متورطين مع التنظيم إطلاقا.

ولسنا ندري هنا من يصدق ادعاء كمثل الذي ساقه "هشام أبو طعام" عن القطعة الأولى، وهو الرجل الذي يملك مؤسسة تتحدث ليل نهار عن عراقتها وخبراتها المتراكمة في عالم التحف والآثار، وعن استعانتها بخبراء مرموقين ليؤكدوا لها بالفحوص والمعاينات مدى "أصلية" القطع ومنشأها وتاريخها، ما يتيح للأخوين إعطاء المشتري (الزبون) كفالة صلبة بأن ما اشتراه حقيقي، غير مزور لا في أصله ولا بياناته، بينما يقول "هشام" في دعواه ضد "داو جونز" إن القطعة الأولى المصادرة في بلجيكا "على الأرجح من روما".. فمن يقبض هذا الكلام؟.

وهنا نفتح قوسا لنضع بين يدي القارئ اقتباسا حرفيا من مقدمة الدعوى التي رفعها "هشام أبو طعام" ضد "داو جونز"، والتي أثبتت "زمان الوصل" بما عرضته من وثائق وما ستعرضه لا حقا من معلومات أنه اقتباس مناقض للواقع وخال من مضمونه، يقول "هشام أبو طعام": "المدعي هشام أبو طعام هو تاجر آثار على مستوى عال من الاحترام، ومشهور على نطاق عالمي، تقوم سيرته ومهنته وعمله على نزاهته وصدقه (استقامته)، خاصة فيما يتعلق ببياناته حول منشأ (مصدر) الأعمال الثمينة التي يشتريها ويبيعها. لدى المدعي سجل حافل من النزاهة، وعلى وجه الخصوص، التزام واضح بإصدار المستندات الموثقة للقطع التي يشتريها ويبيعها ويصرح عنها في الشحنات (المرسلة إلى الزبائن)".

وأخيرا وقبل أن ننهي هذا الجزء من تحقيقنا، نشير إلى إنه من المفارقة الفاقعة والموجعة أن يكون مصير الآثار السورية محصورا بين نهبين مختلفين، فعندما كان النهب حكرا على نخبة يعرفها أغلب السوريين، كان البيع متاحا في مختلف أسواق العالم، وكان التراث السوري على طاولة كل تاجر وسمسار، بلا خشية من أي ملاحقة... وعندما بات نهب الآثار مشاعا لمختلف الأطراف في سوريا، على تنوع توجهاتها وجنسياتها وشعاراتها، بات تداول التراث السوري في الخارج جريمة كبرى.

في الجزء القادم.. تقرؤون التالي وأكثر:
*هل هي لعنة "ربة الجمال المضاعف" فعلا؟
*ما لا يتاح إثباته سورياً، يمكن استنباطه مصرياً ويمنياً
*"برافا" القشة التي يمكن أن تقصم ظهر الأخوين من بوابة علاقتهما بالتنظيم..
*ما هي الصلات التي تمتد إلى مليشيا حزب الله والحرب السورية، والتطهير الديموغرافي الذي شهدته ضاحية بيروت الجنوبية قبل عقود.
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
البشير يزور بشار      الأحد.. أسعار العملات في سوريا      حملة أمنية ضد عصابات الخطف والقتل في ريف إدلب      بريطانيا: نفوق ضفادع وأسماك وطيور في حريق بحديقة حيوانات      ثنائية البديل شاكيري تمنح ليفربول الفوز على يونايتد      ظريف: العقوبات الأمريكية لن تغير سياسات إيران      جريدة البعث تدعو لقطع الرؤوس وتعليق المشانق بهدف محاربة الفساد      مصادر.. إسعاف "جميل حسن" بعد إصابته بجلطة دماغية