أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

اعترافات إرهابي... أحمد عمر*

"يميني متطرف"...هكذا جاء وصف سفاح هاناو الظريف في نشرات الأخبار، وكان ينقصه أن يقال فيه: متطرف جفنه علم الغزل. ويا ما أحيلى وصفه إذا ما قورن بأوصافنا الفاتنة في نشرات الأخبار العالمية.

وكان قد قام بقتل تسعة وافدين، في نادي شيشة في مدينة هاناو. وطُعن مؤذن مسجد في لندن في ذات اليوم. قابل التلفزيون البريطاني إمام مسجد الواقعة الذي افتداه المؤذن، فعذر القاتل ووصفه متطوعاً متصدقا صادقا بالمختل، "الله: انتَ معانا وإلا مع التانيين يامولانا".

وهذه أول مرة يأتي التبرير من قومنا، وذكر مولانا أنَّ الطاعن كان مبتلى بحركات مريبة، ويصلي دوماً في المحراب. لقد صدق الإمام الآية: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ".

قتلتهم دائماً مختلون عقلياً، قُتلوا في مقهى وليس في مسجد، كما في مسجدي النور ولينوود في مدينة كريست تشريش بنيوزيلاندا، وقتل الإنسان جريمة كبيرة في كل مكان، "ومَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا" لكني وجدتها صغيرة، فأنا معتاد على مجازر يومية، وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها/ وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ.

لكني أعترف أني معتاد وصحبي من السوريين على تدبير عمليات إرهابية حقيقية في الوطن مع محاولات فاشلة في المنفى، وكانت العمليات في الوطن سهلة وميسورة، فالعثور على باذنجان صغير الحجم يصلح للمكدوس في ألمانيا صعب ودونه خرط القتاد، وكان دَرَكُه في الوطن سهلاً، لا باذنجان صغير الحجم في كل ألمانيا.

وهناك فيديو مبكر شهير لحمصي في أول أيام الثورة السورية، أبرزَ قلادة من البامياء المجففة على شكل زرد وخرطوش طلقات، والسوريون يجففون البامياء في خيوط على شكل سبحات وقلادات، رداً على اتهام النظام للثورة بعمليات إرهابية.

وكان السوريون يصنعون ذخائر المكدوس في بيوتهم، لمقاومة غائلة الجوع، وذلك تدبير اقتصادي، في المقام الأول، وشأن ذوقي في المقام الثاني، فهو يصنع على الرغبة، حاراً أو بارداً، حامضاً أو حلواً، بالمكسرات للموسرين أو من دونها للمعسرين، وكذلك الجبن المسنّر، أي المعدُّ للحفظ والصون، وقد بحثت طويلا عن أصل لفظة التسنير، وسألت من أعرف من فقهاء الحرب والنزال، ثم وجدته له أثرا في موسوعة حلب المقارنة، لخير الدين الأسدي، وجاء فيها: السنّارة أطلقوها على الدائرة المعدنية تحلّي بها النساء معاصمهن، وهي إمّا تحريف الصنارة العربية وهي الحديدة العقفاء تنشب في حلوق الأسماك، سميت على التشبيه بها أو تحريف الزنارة العربية. أو من الزنار يشدُّ على الوسط، استعملوها لما يحيط بالمعصم.
الجبن يُعصم بالغلي والملح فيصير الملح والغليان له مثل السوار يقيه الفساد ويزينه ويملحه.

وربما كان سبب التسمية أنهم عندما يغلون الجبن، يضعونه في وعاء كبير، ويصطادون قطع الجبن المغلية بصنّارة من المياه المالحة مثل ماء البحر، والله أعلم.

واستطرادا، أعرف أصل لفظ الجبن، جاء في لسان العرب:
الجُبُن والجُبُنُّ مُثَقَّلٌ: الَّذِي يؤكَل، والجُبْنُ أَيضاً: صِفة الجَبان. والجُبُن، بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْبَاءِ: لُغَةٌ فِيهِمَا، غير أن ابن منظور لا يشرح كيمياء لفظ الجبن، فلا يصير اللبن جبنا يؤكل إلا بعد إخفائه وستره وترقيده عن العيون، وكان يجري في غلس الليل. أي أنَّ اللبن السائل أكثر بسالةً من الجبن الرعديد، غير أن الدم أبيض.

نعود إلى وصف عملياتنا الإرهابية: صناعة الجبن عمل شاق في ألمانيا، فأين يمكن العثور على حليب خام، الحليب الصالح للجبن يجب أن يؤتى به من مزرعة للتوفير، ولحسن صناعة الجبن، فحليب السوبر ماركت مبستر، ومنزوع الدسم، ومروض مثل المواطن المعاصر. ثم إنَّ عمليات صناعة الجبن في المنفى شاقة، فالكهرباء غالية، ويصعب العثور على قطرة أسُّ الجبنة، وهي التي تحوِّل الحليب إلى جبنة. وكان هذا دأب السوريين، في الاقتصاد المنزلي والعمليات الإرهابية البيتية. علّمني صديق كيماوي خبير صناعة سلاح الشامبو في البيت، ومكوناته هي : ماء، مادة الكستابون المعزز للرغوة، الكمبرلان المحسن للرغوة، الببتائين مولّد الفقاعات، وعقاقير اللون والرائحة.. ويمكن رفع اللزوجة بملح طعام، فنصنعه بالجالونات، وتزداد الخبرة حسب الرغبة والنكهة، حتى صرت أضارع كبريات شركات الشامبو، ولو قصدت متجراً ألمانياً لطلب المواد، لاتصل بالبوليس فوراً، واعتقلتُ بتهمة صناعة قنابل إرهابية، فإن توصلت الشرطة إلى براءتي السياسية، بعد تحقيقات مضجرة وتوقيف طويل، حبستني بتهمة انتهاك حقوق الصناعة الاقتصادية.

ذكرنا أن الباذنجان في ألمانيا العديّة كبير، ولا يصلح لوجبة المحشي. الكوسا الألمانية كثيرة الماء، طرية، تذوب مع الطبخ من الشوق، والكوسا التركية لا تجدي معها حفارات الترك الضعيفة، فالنصال تتكسر على النصال من أول ثمرة كوسا، وربما سميت بالكوسا لأنها تتحول إلى ما يشبه الكيس، وقد أمعنت النظر، وبحثت في علوم الحيل، واستطعت صناعة حفارة بقص أنبوب حديدي طولياً، في مشغل جاري الألماني، لكل ألماني مشغل فيه أدوات حدادة ونجارة. والألمان لا يعرفون ثمرة الكوسا المحشوة بالرز واللحم، ومطبخهم فقير. وأعرف سيدة ألمانية رقيقة، عاشت في حمص سنوات، ولم تحضر معها سوى كتاب للطبخ العربي من سوريا. مؤخراً احتال صديق إرهابي النزعة، على طابعته، لتوفير حبرها، فحقن محبرتها بالحبر توفيراً، ولدى كل ألماني ووافد طابعةٌ منزلية، فألمانيا بلاد سعاة البريد، وهي مكلفة، بحبرِ حقنه في الطابعة فجاءه إنذار من الشبكة يعلمه بأنه تعدى على الحرمات وسفك شرف القانون، وأنَّ حداً من حدود الله ضاع، وأن عذرية الطابعة فُقدت، وتسبب بالأذى للشركة، ولا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الحبر.

وكانت أكبر عملية إرهابية أقوم بها كل شهرين مع عقليتي، أمة الله، هي في جبهات العجين، وعبد الله على تخوم النار، هي: صناعة أقراص العيد، واسمها في الجزيرة السورية والعراق "الكليجة"، نقدمها للضيوف، على مدار السنة، فيقولون لنا مبهورين: أقراص العيد! مازالت عندكم من العيد، فأسمع التهنئة: كل عام وأنتم بخير، في كل أيام السنة!

إنّ كل محاولة للاحتيال على السوق الألماني باءت بالخسران والهوان، فإحضار الحليب من المزرعة البعيدة يكلف وقوداً وجهداً ووقتاً، ويذكّر بالنكتة الشهيرة لحسني البورظان، في إحدى تمثيلياته المبكرة، أنه زوّر دولاراً فكلفه عشرة دولارات. وكنا نقوم بالعمليات الإرهابية، والجرائم الكاملة، وكنت أقوم بالعمليات الإرهابية من غير أن أترك ورائي أي أثر مثل جواز السفر كما في العمليات الإرهابية التي اتهم بها السوريون ظلما، فكنت مكتوماً، من "بدون" سوريا حتى العشرين، ولم يكن لدي هوية، ولم يكن لدي جواز سفر، وعدت مكتوماً في ألمانيا، كما كنت، حتما مقضيا.
وهناك عمليات إرهابية يقوم بها السوريون سنعفو عنها، فهم:
رهبان الليل.
وفرسان النهار أيضاً.

*من كتاب "زمان الوصل"
(44)    هل أعجبتك المقالة (34)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي