أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

"فتنة الغنائم".. البيان الذي شرّح تنظيم الدولة بمبضعه وكشف ما وراء "بياضه"

"فتنة الغنائم".. البيان الذي شرّح تنظيم الدولة بمبضعه وكشف ما وراء "بياضه"
   شاهد أدناه وثائق البيان
إيثار عبدالحق - زمان الوصل
في خريف عام 2013، وبعد أشهر قليلة من إعلانه "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، كان التنظيم وقادته (أمراؤه) يواجهون "فتنة" كبيرة تتعلق بقسمة "الغنائم"، استدعت تسطير خطاب طويل ومفصل في محاولة لمحاصرتها، كما توضح ذلك وثيقة في حوزة "زمان الوصل".
الوثيقة المعنونة بـ" بيان هام لجنود الدولة الإسلامية في العراق والشام عن فتنة المطالبة بقسمة الغنائم"، يبدو للوهلة الأولى مجرد بيان عادي من سلسلة الرسائل والخطابات التي كان التنظيم يصدرها تباعا، لكن حساسية المسألة التي يعرضها (قسمة الغنائم) وطريقة تصديه لها وسوقه للأدلة والشواهد، حولت "بيان فتنة الغنائم" إلى ورقة مهمة تكشف وجه التنظيم وتبرز تخبطه وتلونه، ولهذا فهي تستوجب الوقوف عندها بطريقة تحليلية مختلفة نوعا ما عن الطريقة التي سلكناها في تعاطينا مع مئات الوثائق الصادرة عن التنظيم.

*ذو الخويصرة
وقبل أن نخوض في دلالات الوثيقة، سنعرض فيما يلي أهم نقاطها:
يفتتح التنظيم "بيان فتنة الغنائم" بآية من سورة الأحزاب تحذر من البهتان والإثم المبين الذي يتحمله الذين يؤذون المؤمنين بغير ما اكتسبوا، موضحا أن الآية تشير إلى "هؤلاء الذي أثاروا الفتنة الكائنة اليوم بين جنود الدولة الإسلامية، والذين كتبوا ونسخوا ونشروا أوراقا قيل إنها بحث شرعي في مسألة الغنائم وكيفية توزيعها"، وذلك "لأنهم رموا المؤمنين من أمراء الدولة الإسلامية ومسؤوليها وقادتها وآذوهم بغير ما اكتسبوا".

ويمضي البيان معتبرا أن من سطروا بحث الغنائم يخشى عليهم أن يكونوا قد دخلوا في فئة الخوارج، أو تلبسوا بصورة من صور عصيان الأمراء والتنقيص بهم.. وكلاهما "وصف مذموم شرعا من جهة، كما وإنه يقتضي العقوبة كذلك في الدنيا والآخرة من جهة أخرى".
ويشرع البيان في شرح قضية الخوارج التي تعود شرارتها إلى غزوة حنين، وموقف "ذو الخويصرة" من توزيع الغنائم، ليصل إلى الحديث النبوي الذي يصف الخوارج وينوه بأنه "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لايجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".

وبعد أن يعدد المواقف من توزيع الغنائم يوم غزوة حنين، يعتبر أن من يعترضون على سياسة التنظيم في توزيع الغنائم إنما هم أشباه "ذو الخويصرة" الذي احتج على النبي صلى الله عليه وسلم ورماه بالظلم.

ويتابع البيان: "ونحن نقول بدورنا: إنه لما عميت أبصار هؤلاء عن المصلحة والحكمة ولم يتحملوا مفسدة الحرمان من بعض حقوقهم في الغنيمة، في مقابل مفسدة ضياع الجماعة المؤمنة المقاتلة، واستباحة العدو الصائل لها، وانتهاكه للأعراض وسلبه لباقي الأموال، وذلك فيما إذا وزعت الأسلحة والذخيرة –وهي التي تكون أغلب ما في الغنيمة في معاركنا ضد العدو- فاستبد كل رجل بنصيب كبير من السلاح والذخيرة، ثم لايجد بداً من بيعها -إن احتاج إلى مال- إلى أحد الكتائب هنا أو هناك، وذلك بغير تمييز منه بين الغث والثمين، وبين الصادقين منهم والمنافقين".

وينتقل بيان فتنة الغنائم لعرض حجة أخرى، يقول فيها إن حرمان عناصره من "بعض حقوقهم" في الغنائم إنما هو من أجل "مصلحة تأليف قلوب بعض الناس على الإسلام"، معقبا: "الدولة الإسلامية قد تستخدم بعض الأموال من تلك الغنائم في توفير الخدمات العامة لعموم الناس سعيا لتأليف قلوبهم كتوفير الطحين وإنشاء المواصلات العامة وغيرها".

ويستدرك: "ثم من قال إن الغانمين يحرمون من حقهم الكامل في الغنائم هذه الأيام، وهل المنح الشهرية ومنح الزواج ومصروفات العلاج للمجاهدين وسد الديون عنهم إلا من نصيبهم وحقهم في الغنائم؟... فإن كانت الدولة الإسلامية تعتبر أن ما تأخذه من الغنائم هو كالدين في عنقها للغانمين إلا إنها وللحاجة قد تؤخر تسديد هذا الدين لأصحابه من الغانمين وتقوم بتسديده على أقساط على شكل منح وغيرها فما موقف المجاهدين إذن من ذلك؟".

*بالمرصاد
وبعد أن يحشد التنظيم ما يستطيع من أدلة وأحاديث، يستنكر مستفهما: "فهل ضاقت عقول هؤلاء عن استيعاب هذه المصالح فراحوا يصيحون بأعلى صوتهم: وإن ربك لبالمرصاد لمن استولى على أموال الجهاد"، معتبرا أن "للسلطان أن يرفع أملاك قوم إذا كان في ذلك مصلحة واستتئلاف" ... 

ويلفت البيان إلى أن "أهل العلم قد نصوا على جواز استخدام السلاح من المغنم قبل القسمة إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وإنه من باب الانتفاع بالغنيمة قبل قسمتها"، قبل أن يخلص إلى القول: "إن من الأسباب الرئيسية لظهور فتنة الخوارج قديما وحديثا في هذا الأمة، هو استثارتهم وتضخيمهم لمسألة قسمة الغنائم"، محذرا من التأليب على "الأمراء".

وفي صفحته الخامسة وقبل الأخيرة، يمضي التنظيم محذرا من "الإثارة على الأمراء وإهانتهم –ولو منعوا بعض الحقوق بتأويل-"، لأن في ذلك "شق عصا الجماعة وضياع هيبتهم (هيبة الأمراء) بين أعدائهم".

ويستشهد البيان بحديث نبوي عن وجوب التمسك بـ"الوالي" وعدم الخروج عليه، حتى وإن أتى شيئا من معصية الله (ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولاينزعن يدا من طاعة).

ويمضي البيان متسائلا باستنكار كبير: "فإن كان هذا هو الحكم المؤكد فيما أتى الوالي بشيء من المعاصي الظاهرة المجمع عليها كالخمر أو الزنا مثلا، فكيف الحال إذا ما ذهب إلى مذهب معين في مسألة اجتهادية رأى فيها أنه مطيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومطبق لسنته فيها، بل إنه قد يقع في الإثم إذا ما قام بخلافها؟".

ويعيد البيان في صفحته الأخيرة التشنيع على من ناقشوا في مسألة توزيع التنظيم للغنائم، معتبرا أن "من استخدم هذه المسـألة للتأليب على الأمراء والطعن فيهم.. فإنهم آثمون مستحقون للعقوبة"، متوعدا بكشف من "قام بهذا الأمر ودبره وحرض عليه".

وبعد الإقرار بمعاناة عناصره من "نقص وفقر وحاجة على المال"، يستدرك التنظيم مطمئنا إياهم إلى "الغنى بعد الفقر بسبب الجهاد"، مختتما: "نذكرهم بالله تعالى ونحرضهم على الاستمرار في جهاد عدو الله الصائل على الأنفس والأعراض حتى وإن أدى ذلك إلى موت العيال جوعا والعياذ بالله، مستندا إلى منقول عن ابن تيمية يقول فيه: "لو ضاق المال عن إطعام جياع والجهاد الذي يتضرر بتركه، قدمنا الجهاد وإن مات الجياع، كما في مسألة التترس (بل) وأولى، فإن هناك (بالتترس) نقتلهم بفعلنا، وهنا يموتون بفعل الله".

*فخرها
إن أول ما يكشف عنه "بيان فتنة الغنائم" التلون العجيب في تفكير وسلوك "الدولة" عندما يتعلق الأمر بمسألة يمكن أن تهز صورة التنظيم أو تخدش "قدسية" زعامته" أو تقلص بعض مكاسبه أو تنال من بعض سلطاته، خصوصا سلطات ومكاسب القياديين (الأمراء)، إذ يبدو هؤلاء خطا أحمر وشخصيات معصومة أو قريبة من العصمة، يمكن أن تقارن بكل بساطة بالنبي صلى الله عليه وسلم دون حرج أو وجل.
لكن أكثر ما يلفت في "بيان فتنة الغنائم" أن التنظيم سوغ قرار قيادته بجملة من الأمور بعضها كان يعيبه على الآخرين ويعيرهم به، بل كان يكفي لطرف ما أن يسوق مبررا واحدا منها ليرميه التنظيم بـ"الصحونة" أو "الردة" أو "النفاق للسلطان" أو "الافتئات على الله ورسوله"... أو غيرها من التهم التي كان التنظيم يستل سيفها كلما عارض سلوكه معارض، أو ناقش توجهاته مناقش.

ففي "بيان فتنة الغنائم"، مثلا، يظهر التنظيم "جامياً" أكثر من "الجامية"، وهم طائفة مغالية في تقديس السلطان وتعظيمه إلى درجة وضعه في موقع "لايُسأل عما يفعل وهم يسألون"، وقد كان هذا السلوك المشين لـ"الجامية" كافيا لتوليد أجيال من الناقمين الكارهين لكل صاحب سلطة، وشكّل الكثير من هؤلاء الناقمين عمودا فقريا لتنظيمات رفعت شعارات "محاربة الطواغيت"، إلى أن جاء تنظيم "الدولة" ليفاخر بأنه فخرها، أي فخر التنظيمات التي تحارب تقديس السلطان.

ولكن مضمون وخلاصة "بيان فتنة الغنائم" يقول إن التنظيم وقع فيما كان ينهى عنه ويحذر منه بل وربما تعداه، فقط لأن السلطان هنا هو "الخليفة البغدادي" أمير التنظيم، ولأن "الولاة" هنا هم من أتباعه والمبايعين له، مجوزا لهم حتى "معصية الله"، محرّما ومجرّما كل "من ينزع يدا من الطاعة"، علما أن هذا الاستشهادات والتفسيرات المغالية للنصوص هي نفس المآخذ التي أخذها التنظيم على كل من دعاهم "علماء السلطان"، ونعتهم بـ"البلاعم" و"هيئة كبار العملاء" وغيرها من الأوصاف المنفرة، لمجرد أن هؤلاء كانوا يستخدمونها في حق حكامهم، فلما صار وقت ليّ عنق هذه النصوص بنفس الطريقة ولكن باتجاه آخر (اتجاه الخليفة البغدادي) صار تأييد السلطان حلالا، وصارت مناقشته أو أحد أمرائه جريمة تعدل "شق الجماعة" والالتحاق بصفوف "الخوارج".

إن التنظيم بدفاعه المستميت عن "البغدادي" –وإن لم يسمه- والأمراء، لمجرد نشوب قضية بحجم قضية الغنائم، إنما منح "الجامية" شرعية لم يمنحهم إياها حتى السلاطين الذين يقدسونهم، ذلك أن "الجامية" ظهرت كتلميذ في هذا المجال مقارنة بالتنظيم، فـ"الجامية" يدافعون عن سلاطين يغدقون عليهم الأعطيات والأموال، ويدافعون عما يتفاخرون به ولا يتبرؤون منه، بخلاف التنظيم الذي لايرى في كل العالم حاكما "مسلما" ولا حتى "صالحا" تتوجب طاعته، فضلا عن الدفاع عنه، اللهم إلا "الخليفة".

هذا من جهة، ومن جهة أخرى يبدو التنظيم في معرض تبريراته مكترثا لأمر العامة (العوام) حريصا على "تأليف قلوبهم" ولو أدى ذلك للاقتطاع من "غنائم" عناصره، وذلك بعكس كل خطاباته التي كان يحرص فيها على إظهار نفسه مستعدا لاستعداء ومحاربة الجميع دون استثناء في سبيل تطبيق ما يراه صحيحا، غير عابئ بالناس ولا آرائهم.

بل إن التنظيم كان إذا أراد أن يحط من قدر فصيل آخر ويغمز من قناته، يعمد فيشير إلى أن ذلك الفصيل يهتم بأمر "الحاضنة"، باعتبار ذلك عارا كبيرا، ونقيصة تخرم مرؤة الفصيل وتنقص من ورعه، بل وقد تذهب بدينه كليةً.

ولاشك أن من سمعوا كلمات التنظيم المسجلة (لاسيما خطيبه الأشهر العدناني) وقرؤوا بياناته، لن يجدوا كثير جهد في العثور على عشرات الفقرات التي تهاجم السلاطين وعلماء السلاطين (من جامية وغيرهم)، وتشنع على من يهتمون لأمر الناس (الحاضنة الشعبية).

ففي كلمته المعنونة بـ"قل للذين كفروا ستغلبون"، يفاخر "العدناني" بأن التنظيم لا يقيم وزنا لأحد من الناس، وأن "الحواضن" مجرد هباء لا وزن له، فيقول: "إن قادتها وجنودها (التنظيم) الصادقين أبوا أن يرضوا أحدا بسخط الله، فلا يرجون سوى عفوه ورضاه، لذا لم يعطوا الدنية في دينهم أبدا، ولم يخشوا سوى ربهم أحدا... ولذا كفروا بأصنام الرموز والشيوخ والمنظرين، وضربوا بأقوالهم المعارضة عرض الحائط غير مبالين ولم يتنازلوا على حساب دينهم للحواضن لأنها غثاء".

وفي كلمة أخرى بعنوان "ويحيى من حيّ عن بينة"، يقول "العدناني" بلغة قاطعة: "لن نتوسّل الناس ليقبلوا دين الله والحُكم بشرع الله، فمن رضي فهذا شرعُ الله، ومن كره وسخط وأبى فسنُرغم أنفه وهذا دين الله".

فهل صار "توسل الناس" والتماس رضاهم و"تأليف قلوبهم" ضرورة وفخرا، لمجرد أنه يفيد في تبرير "رؤية القيادة" لمسألة توزيع الغنائم.

*فالقة أو حاذقة
وأبعد من ذلك لا يوفر التنظيم فرصة لإبراز قادته وعناصره في صورة ملائكة تمشي على الأرض، لا همّ لهم –بالإجمال- سوى "القتال في سبيل الله"، ولا يقيمون وزناً لمال ولا لجاه، بل إنهم تركوا خلفهم كل ذلك، فيما يشهد "بيان فتنة الغنائم" بنقيض ذلك، ويوضح أن "الغنائم" والنزاع عليها والجدل حولها، أمر غير بعيد عن التنظيم، ومتغلغل في صفوف فئة منه على الأقل، إلى درجة حولته إلى فتنة تستوجب البحث والرد والتحذير، بل يقر البيان بفقر ونقص وحاجة في صفوف أفراده، تستوجب تذكيرهم بحديث هو في حقيقته وجوهره ذمّ للمتكالبين على الدنيا وتخويف لهم من التنافس عليها، أكثر من كونه حديثا "يبشر بحدوث الغنى بعد الفقر"، كما يدعي التنظيم بشكل يثير الاستهجان. 

ففي كلمته الصوتية بعنوان "قل للذين كفروا ستغلبون" يتوجه "العدناني" إلى جميع مقاتلي الفصائل، التي لا تدين بالطاعة للبغدادي، مخاطبا إياهم: "منكم من يقاتلنا ظنا أننا عدو صائل، ومن يقاتل لبعض متاع الدنيا أو راتب يناله من الفصائل، ومنكم من يقاتل حميّة أو شجاعة أو إلى ما هناك من النيات وسوء البضاعة، فاعلموا أننا لا نميز بين هذه الأصناف والمقاصد؛ وحكمهم عندنا بعد القدرة واحد: طلقة في الرأس فالقة أو سكينة في العنق حاذقة... ويا من تقاتلنا دفعًا للصيال: كف عنا، فما نفرنا نبذل مهجنا لمتاع فانٍ ولا مال، أرح نفسك وقرّ عينًا فما لأجل مالك قسما أو متاعك أتينا".

ويوسع "العدناني" دائرة المخاطبين في كلمة أخرى له بعنوان "ويحيى من حيّ عن بينة"، فيقول: "أيها المسلمون، إننا لا نجاهد لحماية أرض، ولا لتحرير أو السيطرة على أرض، لا نقاتل لسلطة أو مناصب زائلة بالية، أو حُطام دُنيا دنيّة فانية".

إن بيان فتنة الغنائم يقدم عناصر التنظيم، أو فئة منهم على أقل تقدير، في صورتهم الحقيقية ساعين للمكاسب متشوقين للغنائم والرواتب والإعانات، وهو ما يجعلهم على قدم المساواة مع مقاتلي الفصائل الأخرى من هذا الباب، ويجعل حكمهم وفق تقدير العدناني نفسه "طلقة فالقة أو سكينا حاذقة"!

*من أين لك؟
لم تكن التبريرات التي ساقها التنظيم في الحديث عن "فتنة الغنائم" لتكشف تلبسه بأمور دأب على تعيير الآخرين بها وتكفيرهم أو تفسيقهم بسببها، بل إن البيان أيضا أظهر نوعا من المخاتلة والمراوغة التي تليق بأنظمة مستبدة سمتها الغوغائية والاستخفاف، متحولاتها لا تحصى وثابتها الوحيد الدفاع عن الزعيم (الرئيس، الملك، الأمير، السلطان، القائد..) حتى ما بعد الرمق الأخير، ومحاربة كل من يناقشه أو يعارضه، أو يسائله من أين لك هذا: الرأي، المال، العصمة!!.

فللدفاع عن قرار قيادته الذي أثار حفيظة البعض بخصوص "الغنائم"، يخلط التنظيم الحابل بالنابل، من الاستشهاد بأدلة وحوادث إلى افتراض وقائع، فمرة يتحدث عن تأخير التوزيع من باب وقف للسلاح والثواب الجزيل لهذا الوقف، وتارة يقول إنه لايجوز ترك الجبهات الأخرى وتوزيع الغنائم، وأخرى يتساءل ماذا يفعل العنصر إذا تم توزيع غنيمته عليه سلاحا وذخيرة، وتارة يحذر من أن المعترض يزج بنفسه في صف الخوارج، ومرة يقول إنه تم الاستقطاع من تلك الغنائم لتأليف قلوب الناس، وتارة يمنّ على عناصره ويذكرهم بأن حصص الغنائم يتم توزيعها في صورة منح شهرية ومنح زواج ومصروفات علاج وسدّ ديون، وأخرى يقول إن الاعتراض على قسمة الغنائم لا يجوز، لأن من المعترض يرتكب معصية الإثارة على الأمراء، وكأن العنصر هنا مريد بين يدي شيخ طريقة.. ميت على خشبة الغسل يقلبه كيف يشاء ويظل يلقنه، كما يلقن البعض أتباعهم "لاتعترض فتنطرد".

وكل هذا الحجج وتكليف النفس لعرضها والتنقل بها، إنما يوضح تخبط التنظيم ووقوعه في خطأ لم يعرف كيف يرقعه سوى عبر تغطيته بغشاوة كثيفة من المسوغات، فإن لم يقتنع المعترض بهذا المسوغ قنع بذاك، وإن لم تكفه الحجج، زجره التهديد بالعقوبة.. فيما كان يكفي التنظيم من كل ذلك سوق حجة واحدة لو كان صادقا فعلا فيما يزعم، كأن يقول مثلا: لقد تم ضم الغنائم إلى بند الإعانات وسينال كل عنصر منها حصته عند التوزيع، أو يقول إن ما لم يوزع من الغنائم هو دين مستحق في عنق "الدولة" ستؤديه لاحقا.. فجملة قاطعة من هذا النوع كفيلة بأن تقطع معظم ذيول الموضوع وتحسم كثيرا من الجدل، ولكن التنظيم لم يقلها واستعاض عنها بـ"كومة" من المبررات، بدل أن تقوي حجته أضعفتها وأظهرته في موقف "يكاد المريب يقول خذوني".

ومن الملاحظ عند تدقيق لغة البيان أنه تكلم عن بعض الأمور بلغة زئبقية وغير قاطعة، لاسيما عندما تطرق إلى مسألة "وقف السلاح"، وضم الغنائم إلى بند الإعانات، حيث لم يقدم أي وعد قاطع بذلك، بل قدمها في صورة افتراضات وتساؤلات، وهذا ما يؤكد أن البيان جاء فقط لإلهاء المتسائلين عن قضية الغنائم، وإسكات أصواتهم التي صاحت "إن ربك لبالمرصاد لمن استولى على أموال الجهاد"، وهذا ما يضع التنظيم في مستواه الحقيقي كأي تشكيل سياسي عسكري له أجندات ومآرب دنيوية فاقعة حاول –كبراؤه على الأقل- أن يغطوها بغطاء ديني.

بل لقد ألجأ فقر الحجة في الدفاع عن طريقة قسمة الغنائم.. ألجأ التنظيم للتوسع في الحديث عن الخوارج وصفتهم، وهذا سلوك مثير للشفقة من تنظيم درج البعض على وصفه بأنه "خارجي"، وكثيرا ما استدل طائفة من أهل العلم الشرعي عليه بحديث "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لايجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".. وهو من جملة الأحاديث النبوية التي استدل بها التنظيم في بيانه.
وربما يكون فقر الحجة أيضا والاستماتة في الدفاع عن قرار قيادة التنظيم الخاطئ، هو أيضا ما دفع التنظيم للكشف بغير وعي وبشكل غير مباشر عن تجارة السلاح والذخيرة وتورط عناصره بها، حتى دون تمييز هوية الشاري، وهذا ما تعلنه الفقرة التي تقول: "ثم لايجد بداً من بيعها -إن احتاج إلى مال- إلى أحد الكتائب هنا أو هناك، وذلك بغير تمييز منه بين الغث والثمين، وبين الصادقين منهم والمنافقين"، فأين ذهب "طهرانية" رجال التنظيم التي تحجبهم عن التجارة، بل أين صار "الولاء والبراء" الذي يدفع "الدولاوي" لمنع شربة الماء عن أخيه –ابن أمه وأبيه- إن كان هناك شبهة "ردة" أو "نفاق" تحيط بهذا الأخ؟!

*كما هو
هكذا إذن هو "بيان فتنة الغنائم".. بيان يشرّح التنظيم بمبضع التنظيم نفسه، ويرسمه بريشته، ويقدمه بصوته، ويعرّف عنه بكلماته؛ ليظهر تنظيم "الدولة" على حقيقته كأي حزب أو نظام أو تشكيل "دنيوي" فاسد يرى نفسه صوابا وكل ما عداه خطأ، وملاكا وما سواه شياطين، فيحلل لنفسه ما يحرم على الآخرين، ويتفاخر بعين ما ينتقصهم، ويأمر بما ينهاهم.. تنظيم لو أوقفت مروحة دورانه لاستبان أن لونه الأبيض مكون من طيف سباعي وربما أكثر، طيف يجعل أتباعه يتقلبون في كنف الخوارج حينا، والجامية أحيانا، والمرجئة أخرى، وكأنهم يجسدون من تتبع الآراء الشاذة ثم جمعها وصنع منها مذهباً، أو يستنسخون -مع الفارق- الوصف الذي أُطلق يوما على "الجامية" من مؤلهة السلاطين، حين نُعتوا بأنهم "خوارج مع الدعاة مرجئة مع الحكام، رافضة مع الجماعات، قدرية مع اليهود".




ابو عبدالله
2018-01-07
يعني كاتب المقال احس انه ابو جهل او ان له ثارات مع دين الله .. من يطعن في الدولة بسبب مثل هذه الأمور التي قد تصدر من بعض افرادها بل ولنتمشى معكم فرضا طائفة او مجموعة من الدولة افتتنوا او سمهم ما شئت الخ انت ربما لم تغبر قدماك في سبيل الله عندما تطعن بلدولة ككل وتطعن في دينها ومنهجها انت كمن يطعن في علي بن ابي طالب عليه السلام لأن الخوارج كانوا في جيشه حتى خرجوا عليه وكفروه وكفروا سائر الصحابة رضوان الله عليهم
التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
8877
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
بيتزا هت تتعهد بالتخلي عن استخدام بعض المضادات الحيوية مع الدجاج بحلول 2022      مدرب مصر: الارتباك وفقدان التركيز وراء الهزيمة من روسيا      واشنطن تعلن رسميًا انسحابها من مجلس حقوق الإنسان      ملاعب السياسة! .. محمد الحمادي*      طير أخضر طير مبرقع!*      "تحرير الشام" و"جيش الأحرار" يستهدفان خلايا للتنظيم في إدلب      نصفهم ضباط.. مقتل 12 من قوات الأسد في درعا      ائتلاف من 21 منظمة يدعو لتحديد المسؤولين عن الهجمات الكيماوية في سوريا