أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"خميس" الأسرار والأحزان والمشايخ والحلاوة.. فؤاد عبد العزيز*

عماد خميس

عندما بدأت الثورة السورية في آذار من عام 2011، لم يكن عماد خميس أكثر من موظف صغير في الحكومة، ويدير مؤسسة، يظن كل من يقرأ اسمها بأنها خاصة بأعمال الكهرباء في صواريخ الفضاء: "المؤسسة العامة لاستثمار وتوزيع الطاقة الكهربائية"، وهو اسم ابتدعه أحد وزراء الكهرباء السابقين وبعد أن أصبح اسم المؤسسة العامة للكهرباء أشهر من وزارة الكهرباء ذاتها. 

لكن سرعان ما بزغ نجم خميس مع أول تغيير وزاري في أعقاب الثورة السورية، عندما تولى وزارة الكهرباء، وأصبح بسرعة البرق الاسم الأكثر تداولا في وسائل الإعلام، والأكثر شتما على الحواجز وعلى ألسنة المارة والنساء والشيوخ وبما فيها الأطفال .. لسبب بسيط، أن النظام كان ولازال يعتقد بأن الخدمات الأساسية التي يقدمها للناس من ماء وكهرباء واتصالات، إنما هي نعم من عنده، يعطيها لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء .. لذلك أول عمل قام به كرد فعل على الثورة، أنه قطع الكهرباء عن كامل المناطق الثائرة على حكمه، ومن ثم كرد فعل آخر من بعض كتائب المعارضة المسلحة، قامت باستهداف خطوط الكهرباء، ومن أجل أن يعم الظلام على الجميع. 

خلال فترة توليه وزارة الكهرباء والتي استمرت نحو خمس سنوات، أثبت خميس أنه الممسحة الأكثر توفيرا لزفارات النظام، فهو من جهة وفر على النظام عشرات مليارات الدولارات جراء انقطاع الكهرباء، ومن جهة ثانية استخدمه كمتنفس للشعب ولكل من يريد أن يسب ويشتم بلا سقوف.

التحول الأهم في حياة خميس، كان عندما وقع الاختيار عليه لكي يخلف وائل الحلقي في رئاسة الحكومة، وهو اختيار رأى فيه المؤيدون بأنه استفزاز ما بعده استفزاز .. فكيف يتولى إدارة همومنا، من كنتم تخبروننا وإلى فترة قريبة بأنه أحد المتسببين بهذه الهموم..؟!

لكن في اليوم التالي خرجت وسائل الإعلام لتخبر الناس، بأن الرئيس المقاوم والممانع ومن بايعتموه على ما في جيوبكم، هو من اختاره .. فهل هذا يعني أنه لا يفهم ..؟ فعم الصمت الجميع..!

أما بالنسبة لخميس، فقد وجد في هذا المنصب الجديد بأنه يحقق له الحصانة أو رد الاعتبار الذي قد يعوضه عن سنوات ثقيلة من تلقي الشتائم والإهانات، وسرعان ما اتضحت الأسباب التي قادت لاختيار خميس من خلال برنامجه الحكومي، الذي أعلن فيه أن على رأس أولوياته، هو توظيف ذوي القتلى والجرحى من الجيش والمخابرات، ومن ثم دعم المنطقة الساحلية بالمشاريع الاقتصادية والخدمية.

ويومها عرف المعترضون على اختيار خميس على رأس الحكومة، وأغلبهم كانوا من الحاضنة الشعبية للنظام، أن الرئيس المقاوم والممانع، يفهم هذه المرة..!! أما عماد خميس فقط ظل في نظرهم لا يفهم، وهم بين الفينة والأخرى يهزون الأرض من تحته، فيسارع المسكين مصطحبا معه أكثر من ثلثي وزراء الحكومة لزيارة المنطقة الساحلية، وإطلاق المشاريع الاقتصادية هناك، وضخ الأموال الطائلة في تلك المشاريع. 

لقد تولى خميس الحكومة منذ سنة وثلاثة أشهر تقريبا، زار خلالها اللاذقية وطرطوس على رأس وفد كبير، خمس مرات.. أي بمعدل كل ثلاثة أشهر زيارة.. أما مجموع المشاريع الاقتصادية التي أطلقها هناك، فهي أكثر من أن تحصى، وهناك دراسات تقول بأن الموازنة الاستثمارية للدولة خلال العام الحالي ذهبت كلها للمنطقة الساحلية والمقدرة بنحو مليار دولار، كما أن الموازنة للاستثمارية للعام القادم، سوف تتجه بنفس الطريق، مع مجهودات أكبر لحث رجال الأعمال، بتوجيه استثماراتهم إلى هناك عنوة، وتحد التهديد بالتصفية الاقتصادية للمعترضين.

ينطلق النظام في هذا الأمر من فكرة، أن المرحلة القادمة، مهما كانت نتائجها، فهي سوف تعني طلاقا نهائيا مع الجيش بالنسبة لأبناء المنطقة الساحلية، وبالتالي لا بد من تحضير بنية مجتمعية واقتصادية جديدة لهم غير العمل العسكري. 

أما دور خميس في هذه المرحلة، فهو كدور جميع من سبقوه من رؤساء الوزراء، مع فارق بسيط، أنه أقصرهم طولا، وأطولهم بالا. 

وبالنسبة لعنوان المقال، فقد يرى البعض أنه لا يشبهه..لكنه على الأقل يشبه سوريا وأهلها، التي كان يشغلها يوم الخميس، وتجد فيه متنفسا للنيل من الزوجات المسكينات.. وبالنسبة للخارجين عن الخدمة، كانوا يجدونه مناسبة لاحتفالات من نوع آخر. 

*من كتاب "زمان الوصل"
(48)    هل أعجبتك المقالة (52)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي