أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

نجح الذئب في تفريق الغنم.. فؤاد عبد العزيز*

أرشيف

من يستمع لحديث بعض مفاوضي المعارضة في "أستانة" على الإعلام، لا بد أن يلاحظ أن لهم جميعا نفس نبرة الصوت، وهي تشبه إلى حد كبير نبرة أولئك الذين يخشون من اتهامهم بالخيانة والعمالة.

إنهم يبحثون عن أي منطق لكي يبرروا ذهابهم إلى هناك، مهما كان هذا المنطق مغفلا.. فمثلا أحدهم اعتبر أنه بفضل مفاوضات "أستانة" بدأت محافظة إدلب تشهد حركة إعمار كبيرة، وآخر تحدث عن أنها المرة الأولى التي يشعر فيها الأطفال بفرحة العيد ويخرجون بها إلى الأسواق والملاهي، والفضل كذلك لـ"أستانة".

وأحد الضباط قال إن الأهم بالنسبة له أن يمر يوم دون أن يقتل أحد من الشعب السوري، إذ مرت الأيام العشرة الأخيرة بعد العيد دون قصف تقريبا ودون وقوع قتلى، وهو ما تحقق بفضل "أستانة" أيضا.

ربما وحده "أيمن العاسمي"، الذي تم تخوينه من قبل فصائل الجبهة الجنوبية، بدا أكثر ارتياحا وهو يتحدث عن مبررات الذهاب والتفاوض في "أستانة"، والسبب أنه لم يعد يخشى من أي تهمة، فقد تم تخوينه وانتهى الأمر، لذلك تحدث بواقعية سياسية أكثر من غيره، عندما اعتبر أن روسيا هي اليوم من يملك كل المفاتيح في سوريا، وبرضا دولي، وهي قادرة على فرض ما تريد، شئنا ذلك أم أبينا.. فأيهما أفضل، أن تفرض ذلك بحضورنا أم بغيابنا..؟ّ! ورأى أن الحضور لا يخلو من المكاسب، بينما الغياب، فكله خسائر.. !!

بكل الأحوال، من المجحف أن نحمل مفاوضي "أستانة"، أعباء كل هذا الفشل الذي تتعرض له الثورة السورية، سواء من يخشى من التخوين، أم من تم تخوينه وانتهى.

ومشكلتهم مع انفسهم أكبر من مشكلتهم معنا، فهم حملوا أنفسهم، ما يفوق أحجامهم بكثير، عندما وقعوا على تعهد بوقف إطلاق النار خلال فترات الهدنة، وأن يضمنوا ألا تخرج طلقة واحدة من الكتائب التي يمثلونها اتجاه النظام، ربما هم قادرون على تنفيذ هذا التعهد في حالة واحدة، إذا قبضوا ثمنا مجزيا مقابله، أو وعدا بالثمن، لهم ولأفراد كتائبهم، وليس كما قالوا من خلال النتائج المبهجة التي تحققت، عن عودة الناس لإعادة بناء بيوتها أو الفرح في العيد أو توقف القصف والقتل، لأن من حمل السلاح منذ ست سنوات، وأصبح ذا صولة وجولة، واعتاد على القتل والقتال والقصف، لن تقنعه تلك الفضائل للتخلي عن سلاحه، والعودة إلى إنسان عادي يبيع الخضار في الأسواق أو أن يعود لمهنته الأساسية في الزراعة والبناء..!! وهو ما سنعرفه في الأيام القادمة بكل تأكيد، من خلال كشف المزيد من الأوراق عما تم الاتفاق عليه في "أستانة"، أو ما ستفرضه روسيا وتركيا وإيران على جميع الأطراف من الناحية العسكرية. 

وتبقى الأنظار معلقة على الناحية السياسية التي تجري معركتها في "جنيف" حاليا، لكن وفق المعطيات التي خرج بها مفاوضو "أستانة"، لا يبدو أن الوضع السياسي سوف يكون أفضل حالا .. لأن روسيا نجحت بربط مسار "أستانة" بمفاوضات "جنيف" .. وكما هو معروف، فإن أي خسارة في المجال العسكري سوف يقابلها خسارة في المجال السياسي، أو على الأقل سوف تؤثر على مفاوض "جنيف" وتحد من نبرته العالية ومن مطالبه. ولكن من جهة ثانية، يرى مراقبون، أنه ليس بالضرورة، إذا تنازل العسكريون أن يتنازل السياسيون، فهم أيضا يملكون عناصر قوة، وهي قرارات مجلس الأمن التي تدعو للانتقال السياسي في سوريا، فليس أمامهم إلا أن يتمسكوا بها، لأنها الآن هي مصدر قوتهم الوحيد والأكيد، ولعل ذلك أكثر ما يزعج النظام وروسيا وإيران..!!

في المحصلة، نستنتج، أن التجارب أثبتت خلال السنوات الست الماضية أن السوريين مثل خيم البدو، لا يمكن لهم أن ينتظموا أو يتجمعوا في نسق واحد، 

وللأسف، أن جميع الآلام التي مرت على الشعب السوري، لم تستطع أن توحدهم وتزيد من تعاضدهم، بل على العكس، زاد انقسامهم وتفرق شملهم وقل خيرهم، على الرغم من أن عدوهم واحد وهو النظام، فهل هم إلى هذا الحد سيئون، أم أن الذئب نجح في تفريق الغنم..؟!

*فؤاد عبد العزيز - من كتاب "زمان الوصل"
(49)    هل أعجبتك المقالة (48)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي