أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أديب ميالة...وبحبك يا حمار ... عدنان عبدالرزاق*

ميالة - أرشيف

فقط 1300% من قيمتها، خسرت الليرة السورية منذ مطلع الثورة، والحسبة بسيطة ولا تحتاج لمعادلات وجع قلب ورأس، فالدولار الذي لم يزد سعر صرفه أمام الليرة السورية في آذار 2011 عن 50 ليرة وصل سعره اليوم بدمشق نحو 650 ليرة.. وعلى الأرجح القادم أسوأ ليصبح التضخم النقدي بسوريا، مضرب مثل ومعيارا للانهيار النقدي، يتم الاستشهاد به على مر التاريخ.

القصة ليست هنا، رغم ما لهذه النسب من آثار كارثية، على أهلنا الصامدين بالداخل ثانياً، والذين يتقاضون أجوراً، اللهم إن تقاضوا، على مبدأ اشتراكية الاتحاد السوفياتي وينفقون وفق أسعار لندن الليبرالية، وعلى اقتصاد بلدنا الذي يباع ويُرهن وينهار أمام أعيننا أولاً، ولا حول لنا سوى الشماتة بليرة هي لنا وليست للأسد.

والقصة ليست هنا، لأن ما نراه من أسعار للصرف، هي أسعار سياسية مفروضة بقوة دوريات الأمن التي تجوب الأسواق النقدية وتعتقل السوريين بتهمة حيازة قطع أجنبي، والطبيعي والاقتصادي أن يتهاوى سعر صرف الليرة إلى أكثر مما هي عليه بواقع افتقار الاقتصاد السوري لكل عوامل استقرار وقوة النقد، فمنذ خسارة آبار النفط وضياع قيمة نحو 140 ألف برميل صادرات يومياً، بدأ الاصفرار يكسو وجه الاقتصاد، ليتابع بتهديم الصناعة وبنى الزراعة وشح الحوالات، قبل أن يتم الإجهاز عليه عبر تبديد الاحتياطي الأجنبي بالمصرف المركزي.

أما ما الجديد في اقتصاد منهار منذ سنوات، ولماذا الآن وما سبب التهاوي الذي بدأ بالانحدار الشديد منذ التدخل الروسي إلى جانب الأسد، في سبتمبر 2015 وقت لم يزد سعر صرف الدولار عن 307 ليرات سورية.

فالسبب على ما أعتقد مركب، فيه من العوامل الاقتصادية التي أتينا على ذكر بعضها آنفاً، وتفاقمت مع الأيام، سواء لجهة حجم خسائر الحرب أو زيادة تكاليفها التي دفعت بالشركاء، حتى في موسكو وطهران، لعدم منح القروض وتصدير الأسلحة، إلا بعد التوقيع على اتفاقات إذعان اقتصادية ترهن ثروات سوريا ومصير السوريين.

وفيه –السبب- من المبررات النفسية التي كرستها خيبة المكتنزين بادعاءات ووعود نظام الأسد، الاقتصادية والعسكرية، للحد الذي أفقدهم الثقة بحيازة الليرة، ليأتي تقرير البنك الدولي مطلع الشهر الجاري، بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر الليرة وأراقت ما تبقى من ماء وجهها، فأن يشير البنك الدولي لتراجع حجم الاحتياطي النقدي الأجنبي بالمصرف المركزي السوري من 21 مليار دولار عام 2010 إلى نحو 700 مليون دولار اليوم، ويكتفي المصرف المركزي بالتشكيك بمصادر المنظمة الدولية دون أن يؤكد أن لديه احتياطيا أجنبيا، فهذا سبب كاف ليهرب أي مدخر بالليرة، إلى أي ملاذ آمن، سواء سلة العملات الرئيسية التي حلقت أسعارها عالياً، أو للذهب الذي ارتفع سعره لنحو 23 ألف ليرة للغرام الواحد، أي بنسبة بلغت 49% منذ مطلع العام الجاري.

قصارى القول: أمام هكذا واقع أفقد صنّاع القرار الاقتصادي والسياسي هيبتهم، بعد الوعود والطمأنة بعودة مياه الليرة لمجاريها، كان لابد من كبش فداء، كما جرت العادة في نظام الممانعة، لتحميله الوزر ربما منذ نظام المقايضة قبل أن يتم اختراع الأوراق النقدية.

ببساطة، كان أديب ميالة حاكم مصرف سورية المركزي ورئيس مجلس النقد والتسليف.
ولكن كيف يمكن حياكة سيناريو يطرب له سوريو الداخل، ليتم إخراجه على نحو احترافي، يُحمّل خلاله ميالة مسؤولية التضخم النقدي وتبديد جزء كبير من الاحتياطي بدعم الليرة، عبر ضخ كتل دولارية بشرايين شركات الصرافة وبعض المصارف الخاصة، من خلال جلسات تدخل أسبوعية غابت خلال الأشهر الأخيرة، قبل أن تعود الأسبوع الفائت.

القصة راقت للشارع السوري المؤيد للأسد، وخاصة أن أديب ميالة غير متخصص بالنقد أولاً ويحمل جنسية ثانية غير السورية ثانياً، ولعل في هذين الركنين، سبباً كافياً من منظور الممانعة، لاتهامه حتى بانتمائه الوطني، فتناسى ذوو الذواكر الذبابية كل الأسباب والمسببات، ووضعوا الحاكم بموقع المحكوم عليه. 

خلاصة القول: قد يستمر سعر صرف الليرة بالتهاوي، ولا يتوقف التضخم عند نسبة محددة، وربما يصل سعر الليرة خلال أسابيع أمام الدولار لنحو ألف ليرة، وقد لا تصل إن أحس أصحاب القرار بإيران وروسيا بضرورة إبقاء الليرة على قيد التداول لفترة إضافية، وإن عبر استحواذ الحصة الأكبر من كعكة خراب سوريا، عبر ما يحضر له هذه الآونة من إعمار وإعادة للإعمار، أو عبر مزيد اتفاقات بقطاعات ذات عائد ومردود مضمون تكفل استرداد أموال الحليفين التي صرفت عبر سنوات الثورة للانتصار على الشعب وتشويه الثورة والإبقاء على الأسد الوريث.

ولعل السؤال الذي سيبدأ صداه يتعالى خلال الفترة المقبلة، هل يمكن لنظام الأسد الذي لم يسقط عبر المعارك ولا من فوق المنابر وقاعات المؤتمرات، أن يسقط من بوابة الاقتصاد.

لجهتي، لا أعتقد، وربما أرى العكس، فإن لم أشر لقصدية النظام بترك سعر الليرة يتهاوى لأسباب لا تحصى، أقلها إذلال من تبقى من السوريين ودفعهم لترك سوريا الأسد لآله وصحبه من أنصار الداخل ومن يتوافد من المهاجرين.

*من كتاب "زمان الوصل"
(28)    هل أعجبتك المقالة (28)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي