أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

حرب الأزواج السوريّين في بلاد اللجوء*

العبور من صربيا بإتجاه المجر - أرشيف

خمسة عشر عاماً من الزواج وقبلها عامان من الخطوبة ومثلهما من الحب، ذهبت أدراج الرياح، خمسة أطفال أكبرهم 12 عاماً وأصغرهم عامان ليسوا في حسبان الحياة الجديدة، تفجّر كل شيء مرة واحدة، ومن المسؤول، أهي الحرب، أم قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا، أم الرغبة بالانعتاق.

الحالة السالفة الذكر هي لأسرة من آلاف الأسر، نفس القصّة، وبتفاصيل تكاد تتطابق، فالأسرة وصلت إلى إحدى الدول الأوروبية، اختارت حكومة تلك الدولة أن تضع عقد إيجار السكن باسم الزوجة، وسلمتها نسخة عن بطاقة البنك (فيزا كارد)، والتي يدخلها مبلغ يصل إلى 2500 دولار شهريّاً.

جمعيات أهلية وموظفون من دوائر حكومية جالسوا الزوجة، تحدثوا لها عن حقوقها، وعن حريّتها في ترتيب حياتها الخاصّة، وهي لم تستوعب ما يحصل كأنها "عديم وقع بسلة تين"، تراءت لها حماتها، وبنات حميّها، اللذين كرهتهم بفعل أتوماتيكي يصيب كل نساء بلادنا حتى قبل الزواج، وهو للأمانة كره متبادل، وكأنه عرفٌ لا بدّ منه.

تذكرت الزوجة كم مرّة طبخت، وغسلت، وحتى حبلت، وكم مرة صنعت الشاي والقهوة لضيوف الزوج وأهله، صار كل هذا عبئاً على ذاكرتها، وكيف يمكن أن تتخلص من كل هذا وهي تكتشف للتو أنها عاشت 19 عاماً بين حبٍّ وخطبةٍ وزواج مع كل هؤلاء الوحوش، وكيف كانت عبدةً لرجل .. مجرد رجل.

هنا قالوا لها إنها تستطيع أن تدير شؤونها، أن تقرر متى تنام مع الزوج، وأن من حقها أن لا تطبخ وتنظف، حتى إنها تستطيع معاشرة رجل آخر على أن لا يتم ذلك على فراشه. 

أخونا الرجل على المقلب الآخر وصل مجتمع الغرب حاملاً على رأسه الطربوش، وعلى كتفه أحلام مغامرات مع شقراوات مدلّلات، سيضع أم المؤمنين حارساً على الأطفال والبيت، وسيهيم هو في النعيم، وعندما ستناكفه "الحرمة" سيذكرها بالعادات والقيم، وبما ستقوله أمه وأخواته ومعارفه إن عرفوا أنه يقوم بجلي الصحون، هو يعيش هنا لكنّه لا يستطيع الانسلاخ عن تكوينه الاجتماعي.

السادة السوريات والسوريون المتواجدون على أرض الأحلام، سأختصر عليكم الطريق بشرح ما ستؤول إليه أحوالكم، فالمناكفات هنا لا تنفع، ستخوضون حرباً كلكم فيها خاسر، والضحية الأكبر هم الأطفال، بعد ثلاثة أو أربعة معارك شرسة يتم استخدام العنف الجسدي أو اللفظي فيها، سيتم سحب الأطفال منكم، وإيداعهم دوراً للرعاية الاجتماعية، لن تعلموا عنهم أي شيء، سيكبرون ويترعرعون في مجتمعهم الجديد، أوروبيون خالصون، ابنتكم ستكون حرّة في اختيار صاحبٍ أو أكثر، والولد كذلك، وبعد أن يكبروا سترونهم في أحلامكم، ربما يزورونكم مرّة في الشهر أو العام، ستكون أنت سيدي الزوج إمّا مصاباً بعدّة أمراض، أو داخل مصحٍّ عقلي، وفي أحسن الأحوال ستعود إلى البلاد أو إلى جوارها وحيداً، لتمضي ما تبقى من حياتك معطوباً.

وأنت سيدتي ستكونين إمّا عاملة تنظيف في إحدى الشركات، وهذا من أفضل الاحتمالات، إلا إذا وجدت شريكاً جديداً ستكتشفين معه أن جميع الرجال خلقةٌ واحدة، فالزوج الجديد سيطلب منك أن تدفعي ثمن الطعام الذي تتناولينه، ونصف فاتورة الإيجار والماء والكهرباء، وستتعرفين على صديقات عربيات خلال جولاتك المكوكية على الجمعيات الخيرية.

أيها القادمون قهراً إلى مهاجركم، إما أن تحرقوا أرشيفكم، وإما أن تقتنعوا بأنكم أبناء بيئة أخرى، فرضت عليكم قيماً وعادات وتقاليد أخرى، إذ لا ينفع أن تدخلوا مجتمعاً يحكمه القانون لا العادات وأنتم تفكرون بالانقضاض على أرواحكم، والانتقام من ماضيكم، حاسبوا وتحاسبوا على ما أنتم مقدمون عليه لا على ما مضى، وإلا فليقتنِ كلٌّ منكما كلباً يمضي معه ما تبقى من حياة.

*علي عيد - من كتاب "زمان الوصل"
(29)    هل أعجبتك المقالة (28)

محمد علي

2016-04-27

كلام سليم و نصائح في محلها استاذ عيد..


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي