أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

اغتيال محمد.. اغتيال درعا*

الكاتب: لست حزيناً على محمد فقط، فأمثاله كثر، بل حزين على حوران التي يحرق قمحها

ببساطة يمكنني الآن أن أحدثكم عن الجولاني والبغدادي، وعن المؤامرات الدولية، ومؤشرات التقسيم، وعن الأسد وما بعد الأسد، وحزب الله وإيران، وحتى عن "بوكو حرام" في نيجيريا وعلاقتها بداعش.

إلا أن كل ما سبق لا يعنيني وأنا أقرأ خبر اغتيال محمد الحشيش المقاتل البسيط، الشاب الذي لحق بشقيقه، وبقية رفاقه الذين هم جذوة الجيش الحر التي لم تمت في أرض حوران.

من اغتال محمد، ومن له مصلحة في تصفية شاب قل مثيله أخلاقاً وبساطة، شاب لا يملك عضلات مفتولة ولا كتفين عريضين مثل عنترة العبسي، نحيف أشهب، كثير الضحك، يمضي يومه منذ أربع سنوات بين حمل رغيف خبز لليتامى من الأطفال النازحين وبين الجرحى من المدنيين، وحين تبدأ المعركة يكون بين صفوف المقاتلين بلا أجندة ولا مخططات إقليمية ولا نوازع وطموحات لمال ولا جاه.

التقيته في أيلول -سبتمبر 2013 كما التقيت والده أبا ناصر، وكل أبناء حوران يعرفون الاسم الأخير، ذلك الرجل السبعيني الذي لم ينقصه مال، وأذكر أنه قال لي يومها ودمعة عزيزة تملأ عينيه بأنه قدم ولده شهيدا في إحدى المعارك، كما أن عددا من أبناء إخوته وأقاربه قضوا وهم يقاتلون ضمن صفوف الجيش الحر. ودونت وقتها عبارة أبا ناصر «نحن قوم معتدلون لم نغير فكرنا ولا عقيدتنا وبيئتنا لا تحتمل كل ما هو شاذ».

لماذا قتل محمد، ومن القاتل، وكيف، تلك هي قصة الأصيلة، وهي قضية الأهم، لأن من يغتال جذوة الجيش الحر من أبناء حوران إنما يغتال حوران، ويغتال أخواتها، هو ينتقم من انتصاراتها، من اعتدال أهلها، وحبهم للوطن وإيمانهم به.

قبل أن يدخل الصراع مرحلة العبث باسم الدين، كان محمد ورفاقه يقاتلون ولا ينتظرون إمارة ولا ولاية، دفعوا من دمهم ومن مالهم ومن وقتهم ومن راحة أمهاتهم وأطفالهم ولم يتغيروا، قاتلوا من أجل سوريا ولكنهم ما حملوا على الناس باسم نبي أو وليّ.

محمد الحشيش الذي سال دم الجرحى على كفيه كثيرا، وتعبت كتفاه من حملهم، والذي حمل الدواء والخبز للأطفال والشيوخ والنساء أولى أن يكون نموذجاً لا أن يتم اغتياله بدناءة وخسّة.

لست حزيناً على محمد فقط، فأمثاله كثر، بل حزين على حوران التي يحرق قمحها، ويقتل رجالها غيلة وغدراً لأنهم أمل دمشق، لأنهم من كسر ظلم عقود، ومن سيعبر آخر قوسٍ للنصر نحو دمشق.

ليس عندي ما يكفي من اللغة لأنبه بأن هناك من يريد شراً لهذه البلاد، وليس عندي أيضاً شكّ بأن السوريين يعرفون أن العالم وضعهم أمام الجدار.

محمد ابن تل شهاب كان يمكنه أن يجلس على شرفة مزرعته على وادي اليرموك مثل نابليون ويتغنى بالخضرة وروعة المكان ووفرة الماء والزرع والضرع، لكنه اختار الطريق الأصعب، وأعتقد أن من يقتل هذا النقاء هو العدو الحقيقي للسوريين سواء أكان تنظيماً إسلامياً، أم خلية تعمل لأجهزة النظام، أو لأجهزة خارجية، إنه قتل بقصد إنهاء الجذوة، غير أنها لن تنتهي، فهناك آلاف مثل محمد في حوران، وآلاف أخرى في كل منطقة من سوريا، ربما تضيع الطريق بعض الوقت، لكن "لا يضيع العرف بين الله والناس".

*علي عيد - من كتاب "زمان الوصل"
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي