أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

فعلها عبدو الحيوان.. عدنان عبدالرزاق*

يلهو بدراجته في مخيم قرب الحدود التركية في ريف حلب - وكالات

يحكى -على سبيل النكتة- أن أبا عبدو عندما بدأ يُحتضر، استدعى أولاده ليسدي آخر نصائحه، وما إن تحلّقوا حوله حتى طلب لكل واحد أن يكسر عصاً، ففعلوا بيسر وسهولة، فطلب إلى أقواهم جسداً أن يكسر الحزمة كلها، ليترك أبو عبدو الوحدة والتعاضد بين بنيه، عبر تجربة واقعية ويموت باطمئنان.

لبى عبدو الطلب ومسك الحزمة وكسرها، ونظر إلى أبيه ليعرف، ماذا بعد.

سكنت الدهشة أبا عبدو ولم يستطع تعقيباً على فعل غير متوقع، وغرق في صمته وحيرته إلى أن أيقظه تساؤلات الأولاد، ماذا تريد أن تقول يا أبي، ها هو عبدو قد كسر الحزمة.

فرد الأب، وهل أبقى هذا الحيوان من عبر أو أي شيء يقال!

ليس من باب التشاؤم أو من قبيل من يديه بالنار، لكن القضية السورية غرقت في متاهات التبعية ولعبة الزمن، ودخلت في غياهب غير المتوقع والتشتت بعد تعدد وتضارب الأهداف، وبيع القرار والمصائر، للحد الذي لم تعد تشبه الثورات، ليس تلك التي أشعلها بوعزيزي، بل حتى التي قرأنا عنهم في فرنسا على الملكية واسبانيا على فرانكو...أو الثورة المجيدة في بريطانيا. فأفعال "الحيوانات" أمثال عبدو، من تكسير الأحلام، بدّل من واقع الانتفاضة السورية حتى فقدت صفة الثورة وتخلى خلفها عن الشروط الثورية، بعد قتل السلف أو اعتقالهم وتهجيرهم.

من البدهي والمكرر ربما، الإشارة إلى السبب والمسبب، إن بأسباب احتقان الشعب السوري ليخرج على أعتى ديكتاتوريات العصر الحديث، أم للذي فعله الديكتاتور ليقتل الثورة ومن ثاروا، ولعل في عدم الارتباط مع الوطن، إلا بالكرسي، اختصارا لكل ما قيل ويقال، فكما من لا إرث له لا يمكن أن يشعر بآلام تهديم الحضارة، أيضاً من لا وطنية متأصلة فيه، لا يمكن أن يتردد في قتل الوطن أو تأجيره وبيعه.

لكن المستغرب في من نادى بالوطن والعدالة وانقلب على أهدافه وشعاراته، ليسقط تباعاً خلال اختبارات التبعية والمال والضوء والكرسي، وكأن ما تراكم بدواخل السوريين عبر عقود "الواحد" من حزب وسارق ومخلص، أكسب، حتى المنقلبين على ذلك الاستئثار، مرض التعاطي مع الوطن بمن فيه وعليه، كأدوات للوصول لأهداف متبدلة ودنيئة.

قصارى القول: تفوح اليوم عن طبخة المجتمع الدولي، روائح كريهة، يحاولون تغطيتها ببهارات "الحل السياسي" مرة وضرورة "الحوار" وتوحيد الرؤى والهدف باقي المرات، في مسعى مخادع أقل أخطاره بيع الزمن لمجرمي الداخل وعلى كلتا الضفتين، من نظام وقتلة، ليتم الإجهاز على ما تبقى، إن بقيّ ما لم يهدّم بعد، من بنى وهياكل وأمل وإنسانية.

ولعل الفاجعة في تسويق الوجوه ذاتها، ففرسان القتل في حكومة الأسد خلال سنوات الثورة الأربع، هم ذاتهم حمائم السلام في القاهرة وموسكو كما كانوا في جنيف، وسراق حلم السوريين ممن لبسوا أثواب الوصاية والمعاضة خلال جنوح سفينة السوريين، هم نفسهم المتنطعون اليوم لقيادة مركب الحل.

اللهم مع فارق بسيط فرضته المتغيرات والمشيئة الدولية، فأزلام الأسد تحولوا لنسق ثالث بعد أن تحولت قيادتهم لبيادق يحركها الوهم الفارسي والحلم القيصري الروسي، وتحولت المعارضة إلى معارضات تبعاً للهوى والممول ..بل ولأشياء أخرى، نبشتها الثورة، التي عرّت فيما عرّت، طائفية وأحقاد من ينادي بالديمقراطية والعلمانية ويتفخر بسنين سجنه وصفحات نضاله.

نهاية القول: ليس من أي أمل يرجى من كل الذي يعد له، إن وراء أبواب موسكو وطهران المغلقة أو في دهاليز واشنطن وتل أبيب لتقسيم سوريا واستمرار أوار حربها بأكذوبة محاربة التطرف والإرهاب، ولا عتب على أؤلئك الحالمين باسترجاع أمجاد أو بقاء مكاسب، فالسلف اختصر وأجاد وقتما قالوا "المال الداشر بيعلم الحرامي السرقة"، فعندما تجتمع الآراء على ضرورة حوار المعارضة فيما بينها، قبل أن تحاور نظام الأسد، الذي غاب شرط تنحيه عن أي طرح ومشروع، فهذا يعني أن ممثلي الشعب السوري الذي لم يختر أن يمثلوه، تعدوا مراحل التيارات المعارضة وتعدد الكتل ضمن الائتلاف الواحد، وغدت قضية السوريين أمام حلين.

الأول أن تستمر الثورة على كل آثم خوّان، من نظام ومعارضة، رغم الدم والخراب والأكلاف حتى يتحقق حلم السوريين ببلد تعددي ديمقراطي، لأن الوقوف وأنصاف الحلول، سيحرم السوريين ومدى الدهر، من العيش بكرامة ومواطنة، وليس في ذلك من جنون إن نظرنا للتاريخ ولخطأ أدوار الآباء في تأصيل الفساد والديكتاتورية.

أما الحل الثاني الذي رأى كثر في طرحنا له خيانة، يتأتى من وصاية دولة عظمى على سوريا، وهو الأقرب للمنطق والأقل ثمناً، فتجثم على صدور السوريين، حتى تنظف الشام من كل مجرميها...حتى لو توسل السوريون كي تُحتل بلدهم وكان الثمن استثمار الثروات والطاقات، أو سرقتها. لأن المراوحة وترك المصير لمن لا حس وطنيا وإنسانيا لديهم، سيعود بالوبال على المستقبل، أضعاف ما ساقه "الحيوان عبدو" إثر كسره لحزمة الحطب وحلم أبيه!

*من كتاب "زمان الوصل"
(49)    هل أعجبتك المقالة (61)

علي علي

2014-12-28

ابو عبدو الجحش عم يحكي الموضوع على ابو عبدو الجحش امين الحافظ اللي سلم الحكم للنصيرية وهرب على العراق واستمر الحكم ليومنا هذا.


سوري

2014-12-30

لأن الثورة ركضت لإسقاط الأسد ونست إعمار الإنسان السوري في الوقت نفسه وصلنا لهذه النتيجة! كم قلنا ياجماعة إذا شخص أردا أن يهدم بيته القديم عليه تحضير المواد والأدوات لبناء بيته الجديد، ووجهاء المعارضة ملتهين بالحكي الفاضي والتسكع على جثامين هذا الشعب المسكين!.


التعليقات (2)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي