أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"كايزنها" العقلاء السوريين.. عدنان عبدالرزاق

حتى جدتي التي لم تحضر أي اجتماع حزبي ولم تُعتقل يوماً كما مناضلي الثورة، بدأت تحذر من مخاطر الحلول التفاوضية وجحيم خطة دي ميستورا، بل وفي الوقت المستقطع، تفتي بقطع الرؤوس ومرامي التحالف وتتندر على فشل سعود الفيصل في إقناع موسكو بالتخلي عن الأسد.

جدتي التي فشلنا في إقناعها بتغيير "شروالها" الموروث بسروال صوفي يقيها البرد، تطالب بتغيير الذهنيات وتسدي النصائح بالحلول البراغماتية، قائلة ومصممة أن التصلب حماقة.

إذاً، فيما لو تجاهلنا طروحات الجدات وشعاراتهم العريضة، وهربنا -وإن لأجل- عن دعوات الثوار من العواصم العالمية للقتال حتى نجاح الثورة وآخر سوري. وغضضنا الطرف عن الحلول الأماني التي تندرج في خانة المراهقة السياسية أكثر منها في باب حسن النوايا.

وحاولنا الانطلاق من أمرين اثنين، نظراً للحال التي آلت إليه ثورة..لم يبقَ لها من اسمها نصيب.
الأول أن دوما وزملكا وسقبا –مجرد أمثلة- تزرع الخضار على الأسطحة لتهرب من التجويع حتى التركيع ومن جشع التجار والثوار الذين أوصلوا سعر ربطة الخبز لأكثر من ألف ليرة. لأن سقوط هؤلاء سيكون انهيار للحلم، كما أن المتاجرة بصمودهم انهيار للإنسانية وقيمها.

والأمر الثاني أن مؤسسة روسية بدأت بعرض جرائم "العصابات المسلحة" في نيويورك الأمريكية، وستجوب باقي الولايات لتسويق "ثورة الكرامة" على الطريقة الروسية، لتحرف دافع الضريبة وتمنع مشروعات إدارة أوباما، ومن عقر دارها.

قصارى القول: أمام وصول سعر أقل من 2 كيلو غرام خبز لألف ليرة، واسطوانة الغاز لخمسة آلاف وفقدان حليب الأطفال ودواء المرضى، تسقط كل شعارات النضال.

وفي واقع الإجهاز على ما تبقى من سمعة للثورة السورية، لن يكون البديل إلا البقاء على حامي الأقليات وبطل الممانعة، الأسد الابن.

في الآن نفسه، وضمن ما يمكننا اعتبارها تنويعة نكد، فشلت وساطات "العشرة" الممثلين لكتل الائتلاف الخمس، بإقناع ممثلي الثورة والشعب، لعقد اجتماع الهيئة العامة المنتظر والمحدد منذ أكثر من شهر، لمناقشة المسائل الخلافية بين الكتل ومموليها وداعميها، وتسمية وزراء حكومة أحمد طعمة المغيبة بعد أن عرّى عدم وجود أموال، عبارة تصريف الأعمال.

إذاً، بدأ يضيع، إن لم نقل ضاع حلم السوريين، وبدأت المتاجرة والتجارة بدم الأطفال والعذارى بشكل علاني، فأن يختلف الائتلاف على مجرد حضور الاجتماع ليناقش بداخله خلافات أطيافه، ولا يؤتى، ومنذ أكثر من اجتماع، خلال النقاشات وليس التوصيات والتصريحات التلفزيونية، على أي ذكر لإسقاط النظام أو إسعاف الجوعى والمحرومين في شتاء خال من أي رحمة ووسائل تدفئة، ففي ذلك قتل ثان للقتلى وتمويت لآمال الحالمين.

طبعاً، إن اكتفى الآخرون بتوجيه الانتقادات والتنظير، أو سعوا -وإن سراً- لإقامة في بلاد الشمال الديمقراطي.
نهاية القول: أعتقد في اليوم الذي ضربت فيه واشنطن هيروشيما وناغازاكي بقنبلتين نوويتين، قام اليابانيون بمبادرة استيعاب الضربة ومداواة الألم والانطلاق مما بعدها، ولم يتصدوا للخطر عبر الشتائم و الـ"فيس بوك" والتخوين، ولعل في فكرة "كايزنها"، أي التغيير الجيد أو المستمر، التي بدأت تنتشر حول العالم، هي ما يحتاجه السوريون الآن. نظراً لحاجتهم الماسة للكفاءات وأصحاب المبادرات..وحتى بائعي الطاقات الإيجابية. وستلقى هكذا مبادرات، دعماً دولياً لتأسيس جيل يمكن أن يعوض فاقد سوريا من العنصر البشري الخلاق، ويعيد شيئاً من الهزيمة الداخلية التي كرستها السنوات العجاف.

وتأتي ببدائل للشباب التائهين بين منظمات عالمية وتنظيمات مشبوهة، حرفتهم عن أهدافهم وأوقعتهم في أفخاخ التبعية ونمط الذهنية المستورد.

هذا إن لم تلقَ "كايزنها" استجابة من رجال الأعمال، التي مازال بعضهم يؤثر على تأسيس ممالك إعلامية وعسكرية، ليضمن مكاناً وحصة في كعكة خراب. لأنها الاستثمار الأمثل، الذي يضمن لهم مجداً دون أن يهدموا سوريا أو أمجاد الآخرين.

من كتاب "زمان الوصل"
(54)    هل أعجبتك المقالة (45)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي