أخ يقتل أخاه.. شاب ينحر صديقه.. فتى يردي والدته قتيلة.. مراهق يخنق أخته.. أب يغتصب ابنته ويقتلها.. سرقات هنا وهناك وعمليات نصب بطرق شيطانية واختلاسات بالملايين وشبهات فساد.
هذه أصبحت أهم المانشيتات التي تتصدر صحفنا الورقية والالكترونية، فقبل سنوات قليلة كنا لا نسمع عن تلك الجرائم إلا نادرا، وأعدادها كانت محدودة، ولم تكن بهذا السوء ولا تتعدى عدد اصابع اليد الواحدة. أما الآن فقد كثر حدوثها بل أصبحت في طور النمو الدائم، ففي كل عام تجدها تختلف عن العام الذي يسبقه في العدد والمضمون، أي ان الجريمة التي قامت في مجتمعنا البسيط بسبب (فورة الدم) أو المصلحة أو الطمع وحب النفس أو الشهوات والغرائز الحيوانية، يمكن ان تتحول بين يوم وليلة إلى أداء منظم او حركات لا قانونية تتحكم بمجريات قطاعات معينة في البلاد، أو تتسلم زمام الأمور في منطقة ما بعد ان تُعجز الأجهزة الرسمية عن فرض الأمن في تلك المنطقة والمحافظة على الاستقرار وهو ما بدأ بالحدوث فعلاً. دراسة لذلك أصبح لزاماً على مسؤولينا دراسة بعض تجارب دول غربية عانت وما زالت تعاني من الجريمة المنظمة (المافيات)، والتي دخلت إلى مجتمعاتها ونمت بفعل شرخ في الجسد المجتمعي، فالجريمة المنظمة كالبكتيريا التي تنتظر ضعف كريات الدم البيضاء للانقضاض على الجسم ونشر الفساد فيه واخضاعه بالأعراض المرضية ،فقبل تشكل الجريمة المنظمة او ''المافيات ''في المجتمعات الغربية كإيطاليا مثلا كان يعاني المجتمع من اضطرابات اجتماعية وارتفاع نسبة الانتحار وازدياد عدد ضحايا الجرائم ،والفقر المدقع ،وهذه كلها شروخ ساعدت في تشكيل المافيا والتي ما زالت تتحكم في قطاعات هامّة داخل ايطاليا، وتورط الشباب في نشاطات غير مشروعة وغير قانونية لكن بسطوتهم يوفرون الغطاء الأمني لهم، فتتحول النشاطات مع الأجيال من جريمة فردية إلى منظمة أصبحت تسيطر على قطاعات تجارية هامة جدا، وقطاعات خدمية لتضمن بقاءها واستمرار سيطرتها. أسباب اخرى أما في دول اخرى مثل روسيا فقد كانت الأوضاع الأمنية وعدم الاستقرار بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ،والأزمة الاقتصادية الكبيرة التي حلت باسواقها وعملتها في نهايات القرن الماضي السبب الرئيسي في التشكيلات الاجرامية المنظمة ، في حينها لم تكن الاجهزة الامنية الروسية قادرة على حماية المواطنين وخاصة التجار منهم ورجال الاعمال أو حماية مصالحهم على الاراضي الروسية، وهذا ما دفع بعض الفاسدين و أصحاب السوابق إلى تجميع انفسهم والعمل على حماية هؤلاء من اللصوص ومن المسؤولين الحكوميين الفاسدين مقابل مبالغ معينة، ونجح الأمر حتى باتت تعمل تلك المافيات بشكل منظم حتى انها ضمت مثقفين، وسياسيين، وأصحاب نفوذ، وهم حتى الآن يتحكمون في كثير من مجريات الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد ويعملون بغطاء أمني لا يمكن اختراقه. مخاض هذه تجارب نستدل بها على ان الجريمة في الاردن لن تبقى على ما هي عليه، بل ستتحول إلى ''الجريمة المنظمة'' إذا استمر الحال على ما هو عليه، لأن المجتمع الأردني في حالة مخاض عسرة أهم ملامحها البطالة والفقر والإحباط والكآبة، وضعف الوازع الديني، وابتعاد الكثير من ابنائه عن الشريعة الاسلامية، هذا الى جانب تراجع الأداء الأمني في إدارة الأزمات فقد شهدنا الأحداث الأخيرة بعد الانتخابات النيابية وحجم الضعف في إدارة الأزمات من قبل الأجهزة الأمنية وعدم القدرة على السيطرة على الأوضاع بشكل سريع في كثير من مناطق المملكة، ليبدأ مشوار المواطن للبحث عن من يحميه، وهذا ما لمسه مندوب ''اللواء'' اثناء جولته في عدد من المناطق ، فقد قال أحد المتضررين جراء اضطرابات اجتماعية وتظاهرات في المنطقة: إن الأجهزة الأمنية أصبحت عاجزة عن حماية المواطن الأردني وحماية مصالحه، وقد شاهدنا هذا في الاحداث الأخيرة في السلط.. متسائلا: من يحمينا ويحمي رزقنا من التخريب في المرات القادمة؟ خاصة أن الأمر بات متكررا في ظل عجز وغياب واضح للأجهزة الأمنية. فهل يمكن القول إن واقع الجريمة حالياً في الشارع الأردني يمكن أن يصل بنا إلى الجريمة المنظمة؟ وهل يمكن ان تتسلم المافيات زمام الأمور في المناطق التي عجز الأمن العام عن فرض الاستقرار فيها كما حدث في الزرقاء وبعض أحياء عمان سابقاً؟ تكاثر الباحثة الاجتماعية الدكتورة عيدة المطلق قالت: إن ترك الظواهر الاجتماعية السلبية والمحرمات القانونية تتكاثر في أكثر من مكان، ولدى أكثر من فئة مجتمعية، وعدم الاهتمام بحل هذه الحالات التي تبدو للوهلة الأولى فردية (لكنها في الواقع غير ذلك) سيمس المجتمع ككل، وإهمالها سوف يؤدي الى تراكمات ستتضاعف في ظل عدم معالجة الاسباب الرئيسية لتلك الظواهر حتى تصبح نقمة عامة، لأن تلك الحوادث الفردية تعتبر مهددات للأمن المجتمعي، والسكوت عن تلك التهديدات وعدم معالجتها يولد حالة سخط ونقمة ويسبب ابتعاد فئات من المجتمع عن النظام العام. وأضافت المطلق: إن ترك المسيء دون عقاب أو محاسبة، ونجاح المجرمين في الإفلات بشتى الطرق من العقاب الرادع سوف يضاعف أعداد هؤلاء المنحرفين المخالفين للقوانين، والمتجاوزين على حدود المسموح، وسوف (يسرحون ويمرحون) بحرية دون عقاب رادع وسوف يكررون هم وغيرهم المخالفات والانحرافات والجرائم مرات عديدة، لأنهم يعلمون أنه لن يقع عليهم العقاب الرادع في نهاية المطاف ،وهذا الأمر سوف يشجعهم على تطوير سبل مخالفتهم للقانون وخرق الأمن وممارسة الجريمة بجميع اشكالها، وهذا سيدفع الكثير من الشباب العاطل عن العمل الى الالتفاف حول المجرمين الأفراد مشكلين جماعات مناصرة ومساعدة لهؤلاء المنحرفين والتي في بداية الأمر ستتكوّن كمنظمات سرية إلى ان تحصل على الدعم والقوة المطلوبين من متنفذين، (وهذا لن يأخذ الكثير من الوقت) لتتحول إلى منظمة تمارس أعمالها علانية وستنتشر في مفاصل المجتمع كلها. انتباه وشددت المطلق: على انه يجب الانتباه لأوساط الشباب لأنهم هم من يغذون تلك المنظمات ،كما ان استقطابهم سهل في ظل ظاهرة البطالة المريعة التي تستفحل في المجتمع الأردني أكثر وأكثر، والبطء في تنفيذ برامج الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وانحسار فرص التنمية وتعثر مشاريعها لكي نحافظ على أمن المجتمع ونمنع تكون تنظيمات ''مافياوية'' - لا سمح الله - تمارس الجريمة في الشارع الأردني الذي طالما نعم بالأمن والأمان وتزيّن بالعادات والتقاليد الإسلامية والعربية . لا جريمة منظمة أما أستاذ علم الاجتماع والناشط الاجتماعي الدكتور سري ناصر فقد قال: إن الجرائم المنظمة وليدة العوامل البيئية والمنشأ والتربية، فعندما يلتقي عدد من العدوانيين بطبعهم والذين يشتركون بأخلاق بذيئة وتصرفات همجية يكوّنون مجموعات خارجة عن القانون، وبما يتوافق ومعاييرهم يشكلون المنظمين والقادة والاعضاء ويموّن تلك المجموعة مراكز تخطيط، ولا يمكن القول إن الجريمة المنظمة وليدة او نتاج الاضطربات الاجتماعية فقط، وعلى هذا يمكن القول إنه في الاردن لا توجد جريمة منظمة بالمعنى المتعارف عليه بل جماعات خارجة عن القانون لا يصعب على الحكومة الأردنية القضاء عليها وتقديمها للعدالة . مداخل من جهته قال الباحث والصحفي مؤسس المجموعة الدولية لتطوير الصحافة والمختص بتغطية البؤر الساخنة عالمياً والذي التقته اللواء في عمان درو سولفان إن من اهم اسباب انتشار الجريمة المنظمة في دول العالم بشكل عام هي الاضطرابات الاجتماعية وعدم الاستقرار المعيشي والخلل في التركيبة المجتمعية الناتجة عن اختلاف المستوى المعيشي بين الطبقات، إلى جانب الوضع الأمني المتردي ،الذي يصل إلى حد لا يثق فيه المواطن بالأجهزة الأمنية في البلاد. هذه هي أهم مداخل العاملين في مجال الجريمة المنظمة أو ما يطلق عليها ''المافيات ''للوصول الى مبتغاهم في السيطرة على الشارع وفرض قوانين تخصهم وتصب في صالحهم دون محاذير تذكر ولا حتى قوانين ناظمة . وأضاف سوليفان: إن الوضع الاجتماعي في الأردن مضطرب إلى حد ما، وبدأت تظهر مشاكل مستحدثة، إلا أن السلطة تفرض احترامها في هذا البلد الصغير، وتقوم بالعمل جاهدة في سبيل إيجاد حلول جذرية للتخلص من تلك الظواهر التي لم يكن لها وجود، ليس فقط في المجتمع الأردني بل في المجتمعات العربية كافة، والتي تعد من اكثر الدول أمنا وأمانا بشكل عام، ولذا ينبغي للحكومة الأردنية أن لا تغفل عن تلك الظواهر لكي لا نشهد ولادة جماعات تقوم على ممارسة الجريمة المنظمة، ولكي لا نشاهد تشكيلات خارجة عن القانون في المناطق النائية او في القرى او حتى في الاسواق في العاصمة كما حدث في أوكرانيا مثلاً ،فولادة ''المافيا'' الأوكرانية تمت خلال سنوات قليلة وقد احكمت سيطرتها على كثير من الأسواق والمناطق بسرعة كبيرة. مخطط وكان للدكتور سفيان التل رأيه في هذا الموضوع حيث يعتقد أن هذه الاضطرابات الاجتماعية ليست عفوية، ولكنها جزء من مخطط شامل يستهدف تفكيك الأمة وخلق الاضطربات والفوضى بين شرائحها، وأضاف التل :يمكن الوثوق ان الجرائم الفردية سوف تتحول الى جرائم منظمة وليدة الاحتقانات والفقر والاضطرابات الاجتماعية والامراض النفسية التي يعاني منها المواطن الاردني في ظل سوء إدارة الأزمات، فيجب على كل المواطنين الشرفاء الذين يغارون على وطنهم الوقوف وقفة رجل واحد للحفاظ على الوطن من أطماع الصهاينة وحفظ أمنه واستقراره والوقوف على تلك الاضطربات الاجتماعية والظواهر السلبية المستجدة حتى لا تتطور الى درجة يندم عليها الجميع . نفي أما الدكتور مؤمن الحديد رئيس المركز الوطني للطب الشرعي فقد قال: إن الجريمة المنظمة بتعريفها هي المجموعات الاجرامية التي تديرها منظمات، وفي الغالب تكون منظمات سياسية ،وهذا الأمر بالنسبة لوضع الأردن الإقليمي لا يمكن ان يحدث ولا يمكن ان تتحول الجرائم الاجتماعية الانفعالية الى جرائم منظمة لأنها بحاجة لقوى سياسية فاسدة لادارتها حتى تستطيع الوقوف على قدميها والاستمرار والسيطرة على قطاعات وأعمال كثيرة . وأكد الحديد: أنه لا يستطيع أحد القول أن في الأردن جريمة منظمة بل بعض الجرائم الفردية التي تحدث في انحاء كثيرة من العالم . .. ونفي أما المحامي حسام الجاغوب من المنظمة الدولية للاصلاح الجنائي فقد قال: إن الجريمة المنظمة تعبير لا يمكن ان نطلقه على بعض الظواهر العشوائية التي تحدث في بلادنا، فالجريمة المنظمة هي الجريمة التي يقوم بها مجموعة من الاشخاص يعتادون على التجاوزات ومخالفة القوانين والتعرض لمصالح الآخرين ويبتكرون طرقاً جديدة بشكل مستمر، وإذا تم القبض على مجموعة منهم يبقى بعضهم طليقاً خارج اسوار السجون ، أما عن الاحداث الحالية والاضطربات الاجتماعية فتلك حالات اجتماعية تتم السيطرة عليها خلال ساعات أو أيام قليلة وتكون في العادة ردّات فعل . وأضاف الجاغوب: إنه يوجد كثير من المواقع الالكترونية العالمية التي تنشر أسماء الدول التي تعاني من الجريمة المنظمة، كروسيا وأمريكا وأوكرانيا وتايلاند والصين وغيرها وليس للأردن وجود في تلك القوائم لأن الأردن من الدول التي طالما تغنّى العالم بأمنها وأمانها. وذكر الجاغوب :ان الحالات القليلة للتنظيمات العصابية في الأردن كطواحين العدوان وبعض الخارجين عن القانون في الزرقاء الذين يجبون الإتاوات والخاوات من اصحاب المحال التجارية ويقسّمون أسواق وشوارع المدينة فيما بينهم إلى مناطق عمل ونفوذ لا يعتبرون إلا عصبة من المنحرفين الذين يسهل السيطرة عليهم بشكل عام،ولا يستطيع أحد القول إن هذه التجارب هي جريمة منظمة .
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية