ليست المأساة فقط في أولئك الذين فقدوا حياتهم داخل سجن تدمر، بل في أن مصير الكثير منهم بقي مجهولًا، وأن أماكن دفنهم ما زالت غائبة عن أهلهم وعن العالم..
فبعد سنوات من الاعتقال والقهر، وبعد الإعدامات التي كانت تُنفذ داخل ذلك السجن، كانت أجساد الضحايا تُنقل بعيدًا وتُوارى في أماكن مجهولة، ليبقى السؤال الأكبر حاضرًا: أين دُفن هؤلاء الشهداء؟
إن معرفة مواقع المقابر الجماعية ليست مطلبًا للانتقام، ولا بحثًا عن مكاسب، بل هي حق إنساني وواجب تجاه من فقدوا حياتهم وتجاه عائلاتهم التي عاشت سنوات طويلة وهي تنتظر خبرًا أو مكانًا يضم رفات أبنائها.
من عاشوا داخل أسوار سجن تدمر يحملون في ذاكرتهم مشاهد لا يمكن أن تُمحى، فقد رأينا بأعيننا معتقلين فقدوا حياتهم نتيجة التعذيب والقسوة، وشاهدنا رجالًا كانوا بيننا في المهاجع والزنازين ثم غابوا دون أن يعرف أهلهم أين انتهت رحلتهم، تلك الشهادات ليست مجرد ذكريات مؤلمة، بل جزء من تاريخ يجب أن يُوثق ويحفظ.
إن الكشف عن أماكن المقابر الجماعية التي دُفن فيها الضحايا هو الخطوة الأولى نحو إنصاف الذاكرة، ومن الواجب بعد تحديد هذه المواقع أن تُحفظ وتُصان، وأن يُقام فيها نصب يليق بحرمة المكان، تُدوّن عليه أسماء من دُفنوا هناك، ليعرف كل أهل شهيد مكان رفات ابنهم، ويتمكنوا من زيارته والدعاء له بعد سنوات طويلة من الحرمان.
إن تحويل تلك الأماكن إلى مواقع للذكرى والتوثيق ليس تخليدًا للألم، بل احترامًا للضحايا ومنعًا لتكرار المأساة، فالأمم لا تبني مستقبلها على النسيان، بل على مواجهة الحقيقة وحفظ كرامة من دفعوا حياتهم ثمنًا للظلم.
قد تمضي السنوات، لكن حقوق الضحايا لا تضيع، وستبقى أصوات الناجين وشهاداتهم أمانة حتى تُكشف الحقيقة كاملة، وتُعرف أماكن من رحلوا، ويُمنح أهلهم حق الوقوف عند قبورهم ولو بعد حين.
محمد الجبالي - شاهدٌ وناجٍ من سجن تدمر
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية