في أروقة العدالة التي تحولت إلى دهاليز للأمن بزمن الأسد، حيث كانت تُصاغ تهم "إضعاف الشعور القومي" و"النيل من هيبة الدولة" في غرف التحقيق لا في قاعات المحاكم، برز اسم القاضي "أحمد النعيمي"، رئيس النيابة العامة في حلب إبان عام 2012، كواحد من القضاة القلائل الذين اختاروا البوصلة الأخلاقية والقانونية على حساب المناصب والولاء للنظام، والذي انشق عام 2012.
محاكمة الضمير أمام جبروت الأجهزة
كانت مكاتب النيابة العامة في ذلك الوقت تشهد صراعاً صامتاً. بينما كان بعض القضاة، أمثال "حسين فرحو"، يتسابقون في تكييف ملفات المتظاهرين السلميين كقضايا "إرهاب" لإرضاء الأجهزة الأمنية، كان النعيمي يصر على تطبيق القانون.
يروي مقربون من القاضي النعيمي، أن المحطات الفاصلة بدأت حين كانت الأجهزة الأمنية (الأمن الجنائي، المخابرات الجوية، والأمن العسكري) تحيل المعتقلين بعد أسابيع من الإخفاء القسري والتعذيب. كان النعيمي يواجه هذه الضغوط بإخلاء سبيل المئات، واصفاً التظاهر بـ "مخالفة قانون التظاهر" لا "جناية إرهاب"، وهو ما شكل تحدياً مباشراً لسياسة "حرق البلد" التي كانت تتبناها الفروع الأمنية.
"الخطوط الحمراء"
بلغ الصدام ذروته حين أقدم النعيمي على إخلاء سبيل 53 متظاهراً من جامعتي حلب (الآداب والهندسة الكهربائية) في دفعة واحدة. هذا القرار لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل كان شرارة غضب في أروقة النظام.
بحسب الشهادات، تعرض النعيمي لتهديدات مباشرة ومكالمات "فوقية" من رؤساء فروع أمنية بارزين في حلب (عبد اللطيف فهد، أديب سلامة، وأكرم محمد)، الذين اتهموه بـ "حماية الإرهابيين". ولم تمضِ سوى أربع ساعات على تلك التهديدات، حتى تلقى النعيمي اتصالاً من وزير العدل آنذاك، نجم الأحمد، حذره فيه من أن اسمه أصبح تحت "خطين أحمرين"، في إشارة واضحة إلى أن قرار تصفية القاضي قد اتُّخذ.
رحلة النجاة: الخروج بـ "لا شيء"
أدرك القاضي النعيمي حينها أن البقاء يعني الموت أو الاعتقال. في مشهد يختصر مأساة السوريين، جمع عائلته وأبلغهم أن "القرار قد اتُخذ". وفي اليوم التالي، بدأت عملية انشقاق محفوفة بالمخاطر.
بعيداً عن الأضواء، ومع غطاء لوجستي من فصائل محلية (لواء التوحيد بقيادة الشهيد عبد القادر الصالح)، نُفذت عملية تهريب دقيقة. تنكر النعيمي، وغير ملامحه، وترك خلفه كل ما يملك: سيارته الحكومية، منزله بكل محتوياته، وحتى مدخرات حياته التي لم تتجاوز 13 ألف ليرة سورية (حوالي 200 دولار حينها)، بعد مسيرة مهنية امتدت لعشرين عاماً في السلك القضائي.
لم يخرج النعيمي بثروة، بل خرج بـ "سجل أبيض"، تاركاً وراءه منزلاً ورثه عن جده، ليغادر عبر ريف حلب الشمالي باتجاه الحدود التركية، تاركاً خلفه نظاماً لم يعد يرى في القضاء سوى "فرع أمني" إضافي.
شهادة على حقبة
تظل قصة القاضي أحمد النعيمي شاهداً حياً على أن "العدالة" في سوريا كانت الضحية الأولى، وأن الانشقاق لم يكن مجرد هروب، بل كان رفضاً لشرعنة الظلم تحت عباءة القانون. واليوم، يتذكر أبناء حلب هذا الاسم كنموذج للقاضي الذي رفض أن يبيع قسمه المهني، حتى لو كلفه ذلك التخلي عن كل ما يملك في سبيل كرامته وحريته.
الآن تم توقيف نجم الأحمد، لكن القاضي صاحب السجل الأبيض النعيمي، ترك ليتقاعد في منزله دون الاستفادة من خبراته!
القاضي أحمد النعيمي هو رئيس النيابة العامة السابق في مدينة حلب. يُعد من أوائل القضاة الذين أعلنوا انشقاقهم عن قضاء النظام السوري في ديسمبر 2012. احتج وقتها على تسييس القضاء وانضم إلى "مجلس القضاء الحر".
بعد رحلة لجوء دامت نحو ثلاثة عشر عاماً، عاد النعيمي إلى سوريا عقب مرسوم العودة. ولكنه تعرض لعوائق مهنية. أحيل بعدها إلى التقاعد الفوري في مايو 2026 بعد بلوغه سن الخامسة والستين.
الحسين الشيشكلي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية