في مشهد متكرر يعم معظم المدن السورية، تعاني محطات الوقود من توقف جزئي أو كلي في ضخ مادتي البنزين والمازوت، وسط طوابير ممتدة وازدحام خانق لم تشهده المحافظات منذ فترة طويلة.
خلف هذا المشهد، يقف أصحاب المحطات في مواجهة معادلة صعبة بين الالتزام بتزويد السوق وبين المخاطر المالية المباشرة التي تتهدد استثماراتهم، في ظل سياسة تسعير توصف بالمفاجئة وغير المستقرة.
خسائر فادحة تطال الجميع
يكشف أصحاب محطات الوقود في مختلف المحافظات السورية عن حجم الخسائر التي تكبدوها جراء الانخفاضات السعرية المفاجئة؛ حيث يتم شراء كميات كبيرة من البنزين والمازوت بالتسعيرة القديمة، وعند صدور التسعيرة الجديدة يُطلب منهم بيعها بفارق سعري يصل إلى نحو 1800 ليرة سورية للتر الواحد.
هذا الفارق يتحمله صاحب المحطة وحده، دون أي تعويض أو جرد دوري من قبل الجهات المعنية، ما أدى إلى تراكم ديون كبيرة على العديد منهم، ووصل ببعضهم إلى حافة الإفلاس.
غياب آليات الحماية يزيد المخاطر
يشير العاملون في القطاع إلى أن غياب آليات واضحة للتعويض، أو لجان دائمة لتقدير الكميات الموجودة لدى المحطات عند كل تغيير سعري، يجعلهم في موقع الضعيف؛ إذ لا يوجد أي ضمان يحميهم من تقلبات السوق.
ففي كل مرة تُعلن فيها تسعيرة جديدة، يكون أصحاب المحطات هم الخاسر الأكبر، دون أن تتكفل المؤسسات الرسمية بتغطية الفروقات أو حتى تقدير المخزون بشكل موضوعي.
التخوف من تخفيضات إضافية يشل الحركة
يزيد من تعقيد المشهد التصريحات الرسمية التي تتحدث عن مراجعة الأسعار بشكل دوري كل 15 يوماً، وما يرافقها من توقعات بانخفاضات جديدة. هذا الوضع جعل العديد من أصحاب المحطات في عموم سوريا يترددون في طلب كميات جديدة من المازوت والبنزين، خوفاً من أن يأتي التخفيض التالي بعد أيام قليلة من شرائهم للمادة، فيخسروا مجدداً.
ونتيجة لذلك، أصبح قرار الضخ وإعادة التعبئة مرهوناً بحسابات ربح وخسارة دقيقة، في ظل غياب أي مؤشرات على استقرار الأسعار.
فجوة العملة.. عائق هيكلي
إلى جانب تقلب الأسعار، يعاني أصحاب المحطات من إشكالية هيكلية تتعلق بفجوة العملة؛ ففي الوقت الذي تتعامل فيه الجهات الرسمية ووزارة الطاقة بالليرة السورية، يجد أصحاب المحطات أنفسهم مضطرين للاعتماد على أرصدتهم الدولارية المجمدة في المصارف لتغطية تكاليف التشغيل والالتزامات المالية، ما يخلق حالة من عدم التوافق بين مصادر التمويل واحتياجات السوق المحلية، ويزيد من تعقيد المعادلة المالية ويضعف قدرتهم على الاستمرار في ضخ المادة.
انعكاسات على حياة المواطنين في كل المحافظات
هذه المعطيات تنعكس مباشرة على المواطن السوري أينما كان؛ ففي دمشق وريفها تجاوزت المبيعات 300% من المعدل الطبيعي، واضطر السائقون للانتظار ساعات طويلة. وفي حلب، أغلقت محطات عديدة أبوابها، بينما شهدت المحافظات الساحلية والوسطى والجنوبية المشهد نفسه من طوابير ممتدة ونقص حاد. ولم تقتصر المعاناة على التأخر في التزود، بل امتدت إلى ارتفاع غير رسمي للأسعار في السوق الموازية، ما زاد الأعباء على المواطن البسيط.
المادة متوفرة لكن التردد يسيطر
يؤكد أصحاب المحطات أن المادة متوفرة فعلياً في المستودعات والمصافي، إلا أن قرار ضخها في المحطات بات مرهوناً بحالة من الترقب والحذر؛ إذ لا يريدون تكبد خسائر جديدة في ظل غياب أي ضمانات رسمية. ويرون أن الحل لا يكمن في إلقاء اللوم عليهم بتهمة الاحتكار أو التلاعب، بل في اعتماد آلية تسعير مستقلة وواضحة، مع تشكيل لجان جرد دوري تعوض الفروقات السعرية، وتوفير بيئة مستقرة تسمح للقطاع بالعمل دون خوف من الإفلاس.
في المحصلة، ما تشهده سوريا اليوم، ليس نتيجة نقص في المادة الخام، بل انعكاس لسياسة تسعير غير مستقرة وآليات حماية غائبة، تدفع الجميع – أصحاب محطات ومواطنين – ثمناً باهظاً في وقت تزداد فيه الحاجة إلى حلول جذرية تضمن استقرار السوق وتخفف المعاناة عن كاهل السوريين في كل محافظة.
زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية