على إحدى القمم الوعرة في جبال القلمون، يتربع دير مار موسى الحبشي بوصفه أحد أعرق المعالم التاريخية وأقدم الأديرة في سوريا.
وبعد صعود نحو 400 درجة حجرية، تستقبل الزائرَ جدرانه العتيقة التي تحتضن كنوزًا نادرة من الرسومات الجدارية داخل كنيسة سريانية شُيّدت عام 1058م، لتروي فصولًا من التاريخ الروحي والثقافي للمنطقة.
وارتبط اسم الدير بالأب اليسوعي باولو دالوليو، الذي كرّس سنوات طويلة من حياته لبناء جسور الحوار بين السوريين، محولًا الدير إلى مساحة للتأمل واللقاء والشراكة الروحية بين مختلف الأديان والطوائف، إيماناً منه بأن الاختلاف مصدر غنى، وأن الإيمان مساحة للقاء لا سببًا للصراع.

كما عُرف الأب باولو بمواقفه الداعمة لمطالب السوريين بالحرية والكرامة، واستضاف في الدير لقاءات وندوات جمعت ناشطين ومثقفين ومعارضين. ورغم تعرض الدير للقصف من قبل نظام الأسد، واصل أداء دوره الثقافي والإنساني.
وفي عام 2012 صدر قرار بإبعاد الأب باولو عن سوريا، قبل أن يُغيَّب قسراً عام 2013 أثناء توجهه إلى مدينة الرقة لمقابلة أبو بكر البغدادي في محاولة للتوسط من أجل إطلاق سراح معتقلين لدى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".
ويكتسب إرث الأب باولو اليوم أهمية متجددة في ظل تصاعد خطاب الكراهية والانقسام الذي يهدد النسيج السوري، إذ لا يزال الدير شاهداً على نموذج قائم على الحوار والاحترام المتبادل والتعايش رغم كل الجراح التي خلفتها سنوات الحرب.

ويواصل الرهبان والراهبات، برفقة الأب جهاد يوسف رئيس الدير، الحفاظ على هذا الإرث الإنساني والروحي، حيث ما يزال دير مار موسى الحبشي معلماً روحياً وثقافياً يستقطب الباحثين عن السكينة والسلام من داخل سوريا وخارجها.
كما أطلق الدير العام الماضي، بالتعاون مع دار إيبلا للثقافة، مشروع "حدائق التين" البيئي والسردي، سعياً إلى تخليد ذكرى المغيبين قسراً، إذ حملت الأشجار أسماءهم عبر لوحات تعريفية تروي قصصهم، لتتحول المساحات الخضراء إلى سجل حي للذاكرة الجماعية، يذكّر بأهمية الحقيقة والعدالة وضرورة بناء مستقبل أكثر إنسانية وسلاماً.
عمر شخيطة - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية