لم تكن جرافات مقاول بلدية داريا بريف دمشق التي سوّت بناءً مؤلفاً من خمسة طوابق بالأرض في تشرين الأول/أكتوبر 2024 تعمل وفق خطة هندسية للسلامة العامة؛ بل كانت تُنفذ "عقداً تجارياً" مشبوهاً، يربط البلديات المحلية بأذرع الفرقة الرابعة الاقتصادية، لتحويل بيوت السوريين المدمرة إلى مناجم لـ "الحديد المبروم" والخردة.
سيمفونية الهدم: المقاول كأداة للنهب
في داريا، كما في معظم المناطق المدمرة بدمشق و ريف دمشق، تتبع البلديات سياسة "التعاقد مع مقاولين مدنيين" لهدم الأبنية المتضررة (خصوصا جوبر والقابون ومناطق أخرى). ووفقاً لوثائق وشهادات حصلت عليها "زمان الوصل"، لا يتقاضى هؤلاء المقاولون أجراً مادياً من البلدية، بل يحصلون على "رخصة نهب" قانونية؛ إذ تؤول إليهم ملكية الحديد المبروم (حديد التسليح) وكافة الخردة المستخرجة من الأنقاض.
صاحب البناء، الذي حاول لأشهر منع هدم ملكيته السليمة عبر تقديم اعتراضات رسمية، اكتشف متأخراً أن قرارات اللجان الهندسية كانت "مفبركة" سلفاً لخدمة عملية الاستخراج؛ فالهدف لم يكن إزالة الخطر، بل ضمان الحصول على كميات ضخمة من الحديد، وهو ما يفسر الإصرار على هدم الأبنية حتى أساساتها تحت ذريعة "إزالة آثار الإرهاب".
"السورية للمعادن": الذراع الأخطبوطي للفرقة الرابعة
تشير المعلومات الاستقصائية إلى أن الحديد والخردة المستخرجة لا تُباع في السوق المفتوحة، بل تُورّد حصراً إلى الشركة السورية للمعادن التي تعود ملكيتها لخضر الطاهر، الملقب بأبو علي خضر، ويديرها شقيقه أحمد الطاهر، مع حصر الاتجار، بأمر من حكومة النظام البائد، بالخردة من الحديد والألمنيوم والنحاس والحديد المبروم المستعمل بهذه الشركة، أي لا تستطيع معامل الصهر شراء أي خردة من خارج الشركة، وهي واجهة للفرقة الرابعة، برعاية ماهر الأسد شخصيا.
كشفت المصادر لـ "زمان الوصل" أن مقاولي البلديات في ريف دمشق ملزمون بضمان توريد هذه المواد إلى الشركة المذكورة. ويُباع الحديد المبروم (المستخرج من الهدم المجلس) في الأسواق تحت مسمى "حديد الفرقة الرابعة"، حيث يُطرح بأسعار تقل بنحو 200 دولار عن سعر الطن الجديد، مما يجعله الخيار الأول في عمليات البناء غير المرخص، وغيره، مما خلق منافسة غير عادلة مع مصانع الصهر السورية، التي تنتج الحديد المبروم الجديد.

من داريا ودمشق إلى لبنان.. رحلة "النحاس والحديد"
تتبع الشركة آلية مزدوجة في تصريف هذه المواد:
1. محلياً: يُباع جزء من الخردة لمصاهر الحديد داخل سوريا دون أي إشارة إلى مصدرها "المسروق".
2. خارجياً: تُهرّب الغالبية العظمى عبر المعابر غير الشرعية إلى لبنان، ومن ثم تُصدّر إلى دول مختلفة لإعادة تدويرها، حيث تشكل تجارة "النحاس" المستخرج من كابلات وتمديدات الأبنية المدمرة "الكنز الأكبر" للقائمين على هذه الشبكة.
"إزالة آثار الإرهاب".. ذريعة لشرعنة السلب
إن ما حدث في داريا هو نموذج مصغر لعملية منظمة، استُخدمت فيها اليافطة السياسية ("إزالة آثار الإرهاب") في جوبر والقابون أيضا، لابتلاع ممتلكات المواطنين.
وبينما يقف صاحب البناء مفجوعاً أمام أرضه الجرداء التي أُزيلت أساساتها عمداً، تكون أطنان حديده قد دخلت بالفعل في قنوات التوريد التابعة للفرقة الرابعة، لتتحول إلى سيولة نقدية تُغذي آلة الحرب وتُراكم ثروات أمراء الحرب الجدد على أنقاض السوريين.
ماذا يحدث بالضبط ومن المذنب
تُهدم سقوف المنازل لاستخراج حديد التسليح، ولا يُباع كخردة (الحديد المبروم الخاص بالمنزل المهدم لا يباع إلى معامل الصهر)، بل يُخضع لعملية "تجليس" (تقويم) بأيدي عمال متعاقدين مع الفرقة الرابعة، ثم يُباع عبر "السورية للمعادن" لمتاجر الحديد والمقاولين بسعر منافس للحديد الجديد، مما ألحق ضرراً فادحاً بمصانع الصلب السورية.
لقد كان الجميع -الفرقة الرابعة، السورية للمعادن، المقاولون، والبلديات- شركاء في هذا الخراب. وبعد سقوط الأسد، حاول الجميع التنصل من المسؤولية و"دفن رؤوسهم في الرمال"، لكن "زمان الوصل" ستكشف كافة التفاصيل في تقرير لاحق.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية