لا يكمن التحدي الأكبر في المجتمعات الخارجة من أتون الصراعات الطويلة في وقف القتال فحسب، بل في منع جذور النزاع من التبرعم مجدداً بأشكالٍ أكثر تعقيداً.
فبعد كل حرب أو مرحلة اضطراب، يقف الناس عند مفترق طرقٍ مصيري: إما طريق العدالة، أو نفق الانتقام المظلم.
قد يبدو الانتقام للوهلة الأولى استجابةً غريزية للألم والغضب، لكنه في الواقع لا يداوي الجراح، بل يفاقمها ويخلق ندوباً جديدة. فحين ينصّب الأفراد أنفسهم قضاةً ومنفذين للأحكام في آنٍ واحد، تتسع دائرة الضحايا، وتتلاشى الفوارق بين الجلاد والضحية. وما يبدأ بمطالبةٍ مشروعةٍ بحق، قد ينتهي بسلسلةٍ لا تنتهي من الأحقاد التي توّرث للأجيال القادمة.
لا تُبنى الدول حين يتولى كل فردٍ مهمة الاقتصاص ممن يعتقد أنه مذنب، بل تُبنى حين يحتكم الجميع إلى مرجعيةٍ عليا، هي سيادة القانون. فالعدالة ليست مجرد عقوبةٍ انتقامية، بل هي عمليةٌ مؤسساتية متكاملة تهدف إلى جلاء الحقيقة، وضمان الحقوق، ومحاسبة المسؤولين وفق أدلةٍ دامغة وإجراءاتٍ شفافة. تظل الأحكام القضائية جزءاً من ذاكرة الدولة التأسيسية، بينما يترك الانتقام وراءه تركةً من الأسئلة والمرارات التي لا تهدأ.
ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات في هذه المراحل هو الأصوات التي تستدرج الناس نحو الانفعال بدلاً من التعقّل. لم تعد هذه الأصوات اليوم حكراً على الوجوه المعروفة، بل باتت تنبعث بكثافة من حساباتٍ مجهولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ حساباتٍ لا نعرف هوية أصحابها ولا الأجندات التي تحركها، لكنها تتقن فن استثارة العواطف، وتأجيج الغضب، وبث الشائعات، والترويج للأفكار المتطرفة.
والمفارقة المؤلمة أن من يطلق شرارة التحريض من خلف شاشةٍ باردة، لا يتحمل غالباً تبعات ما يدعو إليه. فهو لا يرى دمار البيوت، ولا تشريد العائلات، ولا دماءً قد تُسفك؛ بينما يدفع المجتمع بأسره الثمن الحقيقي على أرض الواقع، وفي صميم نسيجه الاجتماعي.
من هنا، يغدو الوعي مسؤوليةً جماعيةً لا تقبل التجزئة؛ فليس كل ما يُنشر يستحق التصديق، وليس كل دعوةٍ للثأر تعبر عن حرصٍ على الحقوق.
أحياناً، تكون الفوضى هي الهدف في حد ذاتها، ويصبح الغضب المشروع مجرد أداةٍ خبيثة لاستدراج المجتمع إلى أتون صراعاتٍ جديدة.
إن الضحايا يستحقون إنصافاً كاملاً، والمجتمع يستحق الحقيقة، والدولة مطالبة بمحاسبة كل من أجرم بحق مواطنيها. لكن بلوغ هذه الأهداف لا يمر عبر دهاليز الفوضى، بل عبر مؤسساتٍ قادرة على التحقيق والتقاضي وتنفيذ القانون. فحين تنتصر العدالة، يطمئن الجميع، أما حين ينتصر الانتقام، فلا أحد يدرك أين تنتهي الدائرة.
في الختام، لا تقاس قوة المجتمع بقدرته على الثأر، بل بقدرته على ضبط غضبه وتأطيره في قوالب العدالة. فالانتقام قد يمنح نشوةً عابرة، أما العدالة فهي التي تشيد سلاماً مستداماً للأجيال.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية