على طرف طريق زراعي في ريف الرقة، يجلس أبو صباح المصطفى "46 عاماً" قرب شاحنة مستأجرة محمّلة بالقمح، ويدخن سيجارته الحمراء الطويلة، وينظر إلى هاتفه بين وقت وآخر بانتظار رسالة تحدد له موعد دخول الصومعة.
أنهى أبو صباح الحصاد، لكن المعاناة لم تنتهِ حيث يقول: "كنا سابقاً ننقل القمح مباشرة إلى المركز، أما اليوم فهناك منصة إلكترونية، وحجز، ودور، وشهادة منشأ، وإجراءات كثيرة".
وينحدر أبو صباح من قرى ناحية الجرنية، حيث يشتكي مزارعون من صعوبة التعامل مع النظام الجديد، خصوصاً في القرى التي تعاني من ضعف شبكة الاتصالات.
ويضيف: "في قرى ما فيها سيريتل ولا راوترات، وكثير من المزارعين لا يعرفون استخدام المنصة أو رفع الأوراق".
منصة إلكترونية وإجراءات تسويق جديدة
أصبح تسويق القمح هذا الموسم يحتاج إلى شهادة منشأ، وإثبات ملكية الأرض، والتسجيل على منصة إلكترونية لحجز الدور قبل التوريد.
وتقول المؤسسة السورية للحبوب – فرع الرقة إن الهدف من هذه الإجراءات هو تنظيم الاستلام وتخفيف الفوضى، مشيرة إلى أن العمل جارٍ في صوامع السلحبية والبوعاصي والكالطة وبئر الهشم، مع التوسع تدريجياً في بقية الصوامع.
وفي بيان لها بتاريخ 6 حزيران، وصفت المؤسسة الإجراءات بأنها "سلسة"، مؤكدة أن المنصة جاءت لتنظيم عملية التسويق وتقليل الازدحام.
لكن على الأرض تبدو الصورة مختلفة، وللمزارعين رأي آخر.
مراجعات كثيرة وضغط على المزارعين
في تل السمن شمال الرقة، قال المزارع حسين العلي "34 عاماً" إن هذا الموسم هو الأصعب مقارنة بالسنوات السابقة من ناحية الإجراءات.
وأضاف: "بعد الحصاد ندخل في دوامة جديدة بين الدوائر للحصول على أوراق المنشأ، والحجز، وانتظار الدور".
وأشار إلى أن أي نقص في الأوراق أو تأخير في البيانات يعني مراجعات إضافية وتأخيراً جديداً.
أما عبد الكريم المطر "52 عاماً" من ريف الرقة الشرقي، فتحدث عن ازدحام واضح على مراكز استخراج شهادة المنشأ.
وقال: "ننتظر ساعات طويلة، وأحياناً يعيدوننا إلى اليوم التالي بسبب ورقة ناقصة أو خطأ بسيط".
وأضاف: "لا توجد جهة تتابع وضع المزارعين أو تخفف الضغط عنهم خلال هذه الفترة".
غياب اتحاد الفلاحين
يوجه مزارعون انتقادات مباشرة لاتحاد الفلاحين هذا الموسم، مؤكدين أن دوره شبه غائب.
وقال حسين العلي: "من المفترض أن يكون الاتحاد موجوداً إلى جانب المزارعين، لكن هذا الموسم لا يوجد حضور واضح له".
وبرأيهم، فإن هذا الغياب يتركهم وحدهم أمام الإجراءات والدوائر الرسمية، من دون أي جهة وسيطة.
وفي السياق نفسه، قال سالم الخلف "41 عاماً" من قرى الجرنية إن التأخير يرفع الكلفة بشكل مباشر.
وأضاف: "كل يوم تأخير يعني مصاريف إضافية على المزارع، من نقل وحصادات وأجور، ما يجعل المنحة الرئاسية تذهب لتغطية المصاريف".
وتابع: "الإجراءات أصبحت أصعب، والمزارع يحتاج إلى من يساعده، لا من يزيد عليه الأوراق".
وأكد: "هذه الإجراءات تدفعنا إلى بيع المحصول إلى التجار بالأجل، أو بأسعار أقل من السعر الرسمي المعتمد من قبل الدولة السورية".
زراعة تحت الضغط
تعد محافظة الرقة واحدة من أهم مناطق إنتاج القمح في سوريا، وتعتمد آلاف العائلات على الزراعة كمصدر دخل أساسي.
لكن هذا الموسم يأتي مع تكاليف أعلى، وإجراءات أكثر، وخدمات متذبذبة، ما يجعل تسويق المحصول عبئاً إضافياً فوق عبء الإنتاج نفسه.
عمار الحميدي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية