أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

لماذا يُدمِّر البقاء الطويل في المنصب المؤسسات؟ (مساوئ الإبقاء وضرورة التدوير)

من دمشق - أ ف ب

استناداً إلى ما ورد إلينا من رسائل متعددة، وما كشفه واقع المؤسسات السورية، فإن أسوأ ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة هو بقاء الشخص نفسه في المنصب نفسه، والمكتب نفسه، والدائرة نفسها، لسنوات طويلة تمتد إلى عقد ونصف أو أكثر.

هذه الظاهرة – التي نراها اليوم في كل وزارة وهيئة ومؤسسة عامة – تحمل في طياتها مساوئ مدمرة، بعضها ظاهر وبعضها خفي، لكنها جميعاً تؤدي إلى النتيجة نفسها: جمود، وفساد، واحتكار.

المساوئ الرئيسية للإبقاء الطويل في المنصب نفسه:
• أولاً: احتكار العمل والمعلومة
عندما يبقى الشخص 15 سنة في مكان واحد، يتحول العمل من "عمل مؤسساتي" إلى "عمل شخصي". المعلومة تصبح حبيسة رأسه، والملفات تصبح في قرصه الصلب الخاص، والمراسلات تصبح في بريده الإلكتروني الشخصي. لا أحد غيره يعرف كيف تسير الأمور، وإذا غاب، يتوقف العمل أو يختل.

• ثانياً: تكريس التبعية وإعاقة الجيل الجديد
الموظف الجديد أو النزيه يُجبر على أن يكون تابعاً لهذا القديم، يسأله عن كل كبيرة وصغيرة، ولا يحصل إلا على "فتات معلومات" – جزء صغير يصلح له مشكلة وقتها، لكنه لا يتعلم، ولا يفهم السياق، ولا يملك الأدوات الكاملة. والنتيجة: جيل كامل من "شبه المتعلمين" الذين لا يستطيعون اتخاذ قرار دون الرجوع إلى "السيّد".

• ثالثاً: خلق بيئة خصبة للفساد
البقاء الطويل في المنصب يسمح ببناء شبكات علاقات غير رسمية، والتطبيع مع العقود والشركات والوسطاء، وخلق "أجندات خفية" لا يعرفها سوى صاحب المكتب. مع الوقت، تتحول الخبرة إلى سلطة، والسلطة إلى نفوذ، والنفوذ إلى فساد منهجي.

• رابعاً: غياب تحقيق الذات وانتشار الإحباط
الموظف النزيه والطموح الذي يرى الوجه نفسه في المكان نفسه لأكثر من 15 سنة، يدرك أن لا أفق له. هو لن يترقى، ولن يتعلم، ولن يمسك بمعلومة حقيقية. هذا يقتل روح المبادرة، ويدمر الدافعية، ويحول المؤسسة إلى سجن نفسي جماعي (وهو ما كشفه استبيان السلامة المهنية في الشركة السورية للبترول).

• خامساً: خلق "عقدة محورية" قاتلة
عندما يصبح شخص واحد هو "العقدة" التي تمر منها كل المفاتيح، تصبح المؤسسة بأكملها رهينة له. لا يمكن الاستغناء عنه حتى لو فسد؛ لأن استبداله يعني انهيار العمل لفترة طويلة. هذه العقدة هي حلم كل فاسد، لأنها تمنحه حصانة ضد المساءلة.

• سادساً: قطع الطريق على الصف الثاني
لا يمكن الحديث عن "الصف الثاني" إذا كان الصف الأول لا يتحرك. الصف الثاني لن يتعلم إلا عندما يجلس في المقعد (أو في مقعد قريب). البقاء الطويل يضمن أن الصف الثاني سيظل دائماً بعيداً، وغير مؤهل، وغير مدرب، وغير مجرَّب. وعندما يأتي وقت التغيير (بالتقاعد أو الموت)، نجد أنفسنا أمام فراغ، ونضطر للاستعانة بالأسماء القديمة نفسها أو بوجوه خارجية لا تعرف المؤسسة.

الحل الوحيد: التدوير الإجباري كسياسة دولة
العلاج ليس في انتظار أن يصبح المدير "طيباً"، ولا في كتابة المزيد من التقارير. العلاج في إجراء واحد قاطع: لا أحد يبقى في المنصب نفسه لأكثر من 4 سنوات، مهما كانت ظروفه، ومهما قيل عن خبرته.
التجربة أثبتت، في الجيش الروسي ثم الجيش السوري ثم في أنجح المؤسسات العالمية، أن التدوير الإجباري:
• يكسر الاحتكار: لأن صاحب المنصب يضطر لنقل معرفته لمن سيأتي بعده، وإلا انهار عمله بعد رحيله.
• يكشف الفساد: لأن التغيير المفاجئ يفضح العقود والعلاقات والمراسلات المخفية.
• يوسع الخبرة: من يعمل في ثلاثة أماكن مختلفة يكون أكثر فهماً وأقل تحيزاً.
• يخلق الصف الثاني: لأن كل منصب يُشترط له نائب جاهز، وكل موظف يعلم أنه سيُقيَّم بناءً على جودة من يخلفه.

خلاصة لا تقبل الجدل
من بقي في منصبه 15 سنة – سواء كان فاسداً أم لا – فقد أضر بمؤسسته حتماً. حتى لو كان مخلصاً، فإن بقاءه الطويل قتل الديناميكية، وحجب الفرص عن الآخرين، وخلق تبعية مريضة.

التغيير ليس خياراً، والتدوير ليس رفاهية؛ كلاهما ضرورة وجودية لإنقاذ ما تبقى من مؤسساتنا.

فإما أن نُدخل سياسة التدوير الإجباري اليوم، أو نستعد لدفع ثمن بقاء الوجوه نفسها في المكاتب نفسها، تحصد ما زرعته طيلة 15 سنة من احتكار وجمود وفساد. 

الأناضول
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي