أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

السجل الأسود: عامان من الحصار والمجازر في "قلعة الحصن" (2012 - 2014)

لم تكن العمليات العسكرية التي تعرضت لها مدينة "قلعة الحصن" وقراها في ريف حمص الغربي بين عامي 2012 و2014 مجرد مواجهات ميدانية، بل تشير الوقائع والشهادات الميدانية الموثقة إلى أنها ارتقت لمصاف جرائم الحرب، والتهجير القسري، والعقاب الجماعي الممنهج الذي مارسته قوات النظام السوري والميليشيات المحلية التابعة له ضد مجتمع محلي انتفض مطالباً بالتغيير السياسي.

يرتكز هذا التقرير الاستقصائي على رصد التسلسل الزمني للانتهاكات التي نفذتها وحدات الجيش والميليشيات الرديفة في المنطقة—وعلى رأسها مجموعات "الدفاع الوطني" (المعروفة بـ أسود الوادي)، ومجموعات الحزب السوري القومي الاجتماعي ("نسور الزوبعة")، وميليشيات محلية أخرى—موضحاً كيف تدرجت السياسة العسكرية من الحصار الجزئي الخانق وصولاً إلى التصفيات الميدانية والتهجير الشامل.

أولاً: التسلسل الزمني للانتهاكات والمجازر الموثقة
1. مرحلة الحصار والضربات الأولى (عام 2012)
• مطلع عام 2012 | فرض الحصار الجزئي: دشن تشكيل "الدفاع الوطني" ومجموعات الحزب القومي أولى خطوات العقاب الجماعي عبر نشر حواجز عسكرية وأمنية عند مداخل "الحصن" والقرى المجاورة لها، وبدء تقييد حركة المدنيين ومنع دخول الشحنات الغذائية والإمدادات الطبية الأساسية.
• بداية شباط/فبراير 2012 | تصفية الشاب وليد بيطار: اختطفت ميليشيا محلية يقودها "بشر فؤاد اليازجي" في قرية مرمريتا الشاب المدني وليد خالد بيطار من مكان عمله في منطقة "وادي النصارى". واقتيد بيطار إلى جهة مجهولة حيث تعرض لتعذيب شديد قبل تسليم جثمانه لذويه مقتولاً.
• 16 آذار/مارس 2012 | استهداف دور العبادة: تعرض مسجد المدينة لقصف مباشر أدى إلى مقتل المدني "جمال الكردي" (أبو فادي) فور خروجه من المسجد.
• 21 آذار/مارس 2012 | القصف من التمركزات العسكرية: استهدفت الحواجز العسكرية المتمركزة في نقطة "القصر" بقرى وادي النصارى الأحياء السكنية للمدينة بقذائف الهاون ومدافع الشيلكا المضادة للطائرات، مما أسفر عن مقتل الشاب "نزيه واصف الزعبي" وإصابة عدد من المدنيين، بينهم نساء وأطفال.
• 28 حزيران/يونيو 2012 | مجزرة جبل الثلج (عائلة الدكتورة أحلام عماد): اقتحمت مجموعات من "الدفاع الوطني" منزل الدكتورة أحلام عماد في منطقة "جبل الثلج" داخل الحصن، ونفذت تصفية ميدانية بحقها وبقية أفراد عائلتها، أسفرت عن مقتل 6 مدنيين (بينهم نساء ومسنون). كما قُتل 6 شبان آخرين من أبناء الحصن والزارة وتلكلخ أثناء محاولتهم التصدي للقوة المقتحمة، لتصل الحصيلة الإجمالية للمجزرة إلى 12 قتيلاً.
• تموز/يوليو 2012 | الخطف الجماعي في "عمار الحصن": اختطفت مجموعة "أسود الوادي" أكثر من 8 نازحين من أهالي الحصن المقيمين في قرية "عمار الحصن"، وكان من بين المختطفين نساء وأطفال لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم.
• 4 كانون الأول/ديسمبر 2012 | مجزرة قرية البساس: نفذت عناصر تابعة للحزب القومي مجزرة في قرية البساس بريف حمص الغربي، أسفرت عن مقتل طفل وامرأتين، وترافقت مع حملة اعتقالات واسعة طالت أبناء البلدة.

2. مرحلة الاستهداف الممنهج والأرض المحروقة (2013 - 2014)
• 2 آب/أغسطس 2013 | مجزرة قرية عمار الحصن: نفذت مجموعات "أسود الوادي" إعداماً ميدانياً مباشراً بحق 6 من أبناء قرية "الشواهد" أثناء توجههم إلى أعمالهم في قرية عمار.
• 21 كانون الأول/ديسمبر 2013 | إخفاء عائلة "آل شرفو" في الناصرة: اختطفت الميليشيات المحلية عائلة كاملة من "آل شرفو" تضم 19 شخصاً (بينهم رجال ونساء وأطفال) من منطقة الناصرة بوادي النصارى، واقتيدوا إلى مصير مجهول.
• 28 شباط/فبراير 2014 | استهداف المزارعين العُزّل: أطلقت مجموعات مسلحة النار بشكل مباشر على شبان عُزّل أثناء جمعهم للأعشاب والنباتات البرية في الأراضي الزراعية المحيطة بالحصن للتغلب على الجوع الناجم عن الحصار، مما أدى إلى مقتل 4 مدنيين رمياً بالرصاص.

3. خديعة "المصالحة" ومجازر الخروج الأخير (عام 2014)
• مطلع عام 2014 | سلاح التجويع والمواد المسمومة: شددت القوات الحكومية والميليشيات حصارها الكلي على منطقتي قلعة الحصن والزارة. وتزامن القصف الجوي والمدفعي المكثف مع إدخال كميات محدودة من المواد الغذائية الأساسية (كالطحين والسكر) تبين لاحقاً أنها مسمومة، بهدف تصفية المحاصرين داخلياً.
• فخ "حواجز الموت" والمصالحة المزعومة: طرح النظام مبادرة أمنية للمصالحة والخروج، تحولت إلى فخ للمدنيين. وتوزعت الحواجر على النحو التالي:
◦ حاجز جسر الزارة: جرى اعتقال كل من عبره وتسليمهم للأفرع الأمنية.
◦ حاجز عناز: نُفذت تصفية ميدانية بحق العابرين في مواقع معزولة، واعتقل الباقون.
◦ حاجز المشتاية: جرى احتجاز العابرين وتجميعهم في "فندق الخضر"، وانقطعت أخبارهم تماماً منذ ذلك الحين، وغالبيتهم من النساء والأطفال (يتجاوز عددهم 100 شخص).
• 17 آذار/مارس 2014 | مجزرة طريق الرويس: اعترضت ميليشيا "أسود الوادي" عائلات حاولت عبور الطريق الواصل بين الحصن والمشتاية للوصول إلى الحواجز الرسمية، ونفذت بحقهم إعداماً ميدانياً مع نهب ممتلكاتهم الشخصية.
• 19 آذار/مارس 2014 | مجزرة كمائن البقيعة الكبرى ("طريق الموت"): مع إطباق الحصار من القرى المحيطة، حاول أكثر من 500 مدني (نساء وأطفال ورجال) متبقين داخل الحصن الفرار سيراً على الأقدام نحو الحدود اللبنانية عبر الأراضي الزراعية. وقع الفارين في 4 كمائن محكمة للجيش والميليشيات، حيث استُهدفوا بالرصاص الحي والقذائف، مما أسفر عن مقتل أكثر من 40 مدنياً وإصابة 70 آخرين خلال ساعات قليلة.
• 20 آذار/مارس 2014 | سقوط الحصن والعمليات الانتقامية: فور إحكام السيطرة على المدينة، بدأت عمليات نهب وسلب (تعفيش) كاملة للمنازل والمحال التجارية، متبوعة بحرق البيوت وهدمها بشكل ممنهج. كما تزامنت مع استخدام منشآت ودور عبادة (في جبل السايح والمناطق المحيطة) كمقرات للمدفعية الثقيلة، بالتوازي مع حملة تقارير كيدية واعتقالات طالت أبناء الحصن النازحين في طرطوس ودمشق ومحافظات أخرى.

ثانياً: التقييم الحقوقي والتوثيقي
تنويه هام: إن الجرائم والمجازر الواردة في هذا التقرير لا تمثل الحصيلة الكاملة للانتهاكات في منطقة قلعة الحصن ومحيطها، بل تشكل النماذج الأكثر وضوحاً والتي تم التثبت من تفاصيلها الإجرامية وتوثيقها بشكل كامل.

إن هذه المادة التوثيقية لا تقف عند حدود السرد التاريخي، بل تُقدم كمستند قانوني يوثق هوية الجهات المتورطة بالأسماء والوقائع والصور لحفظ حقوق الضحايا، وضمان عدم الإفلات من العقاب باعتبار أن هذه الانتهاكات لا تسقط بالتقادم.

ثالثاً: الخطوات القادمة
بناءً على الواجب المهني والحقوقي في سرد الحقائق، سيتم تباعاً نشر سلسلة من التقارير المنفصلة والموسعة المستخرجة من الأرشيف الموثق، لتسليط الضوء على تفاصيل كل مجزرة وممارسة على حدة، مدعمة بالوثائق الدامغة والأدلة المصورة والشهادات الحية.

ستبقى "قلعة الحصن" وشعبها شاهداً حياً على كلفة المطالبة بالحرية والعدالة في سوريا.

حقوق النشر والتوثيق محفوظة للمصدر.

خالد الحصني - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (2)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي