أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

موسم القمح السوري.. صراع البقاء بين "تحديات الإنتاج" وتأمين رغيف الخبز

مع انطلاق "الموسم الذهبي" لتوريد محصول القمح، يبرز هذا الملف مجدداً كأكثر الملفات حساسية في المشهد الاقتصادي السوري. وبينما تسعى الجهات الرسمية لتحقيق التوازن بين دعم الإنتاج المحلي واستقرار سوق الخبز، يقف المزارع في قلب المعادلة، يراقب آليات التسعير ومنح الدعم كضمانة وحيدة لاستمرار مهنة توارثها عن أجداده، في ظل واقع زراعي محفوف بالمخاطر.

واعتمدت الجهات المعنية تسعيرة الموسم الحالي بناءً على دراسات معمقة لتكاليف الإنتاج التي باتت تثقل كاهل المزارع، بدءاً من أثمان البذار والمحروقات، وصولاً إلى أجور السقاية والحصاد والنقل.

وقد جاء إقرار "منحة الدعم الإضافية" – التي تُصرف فوق السعر الأساسي – كخطوة استباقية تهدف إلى تحفيز المزارعين على توريد كامل محاصيلهم للمراكز المعتمدة. وتأتي هذه الخطوة في وقتٍ يؤكد فيه الخبراء أن الدولة تتبنى سياسة "شراء المحصول المحلي" رغم أنها قد تكون أكثر تكلفة من الاستيراد الخارجي، وذلك حمايةً للأمن الغذائي الوطني ومنعاً لتدهور العملية الإنتاجية في الأرياف.

وجهة نظر الفلاح: بين "المنحة" و"الواقع المرير"
وعلى الجانب الآخر، يرى المزارعون أن الأرقام المعلنة، رغم محاولتها الجادة للتجاوب مع متطلبات السوق، تظل محل نقاش وتدقيق. يقول أحد المزارعين: "نحن لا ننظر إلى المنحة كربح إضافي، بل كحد أدنى لتعويض الخسائر الناتجة عن التضخم".

ووفق مراقبين فإن هناك تحديات هيكلية لا تغطيها التسعيرة وحدها، منها: تفاوت الإنتاج: تأثرت المساحات المزروعة بشكل متفاوت، حيث لعبت الهطولات المطرية دوراً حيوياً في مناطق، بينما عانت مناطق أخرى من نقص في مياه الري أو ارتفاع تكاليف الضخ الكهربائي/الوقود، ما يجعل التكلفة الفعلية للطن الواحد غير متساوية بين مزارع وآخر.

وكذلك دورة التمويل حيث يطالب المزارعون بآليات صرف سريعة ومباشرة لمنحة الدعم، لتمكينهم من تغطية التزاماتهم المادية فور تسليم المحصول، بدلاً من الدخول في دوامة الانتظار التي قد تعطل استعداداتهم للمواسم المقبلة.

ويرى الفلاحون أن الأمن الغذائي لا يتحقق بشراء القمح فقط، بل بتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مدعومة قبل بدء الموسم، لضمان استمرارية زراعة القمح كمحصول استراتيجي غير قابل للاستغناء عنه.

التحدي الاستراتيجي: استقرار الرغيف
وبحسب المراقبين لا يمكن قراءة ملف القمح بمعزل عن "استقرار الخبز"، فهو العمود الفقري للأمن القومي الغذائي. ورغم الظروف المناخية المتغيرة وتذبذب معدلات الأمطار، يبقى الرهان كبيراً على وعي المزارع الذي يدرك أن توريد محصوله هو صمام الأمان لمنظومة الدعم الحكومي.

ومع استمرار عمليات التوريد إلى المراكز المعتمدة، تظل العيون شاخصة نحو سرعة التنفيذ وشفافية صرف المنح، بانتظار موسم يوازن بين "حق الفلاح" في الحصول على عائد عادل يغطي جهده وتكاليفه، وبين "حق المواطن" في استقرار أسعار وتوفر مادة الخبز الأساسية.

ويأتي موسم القمح لعام 2026 في سوريا كواحد من أكثر المواسم تبايناً في تاريخها الحديث. وتشير التوقعات الرسمية الصادرة عن المؤسسة السورية للحبوب إلى إنتاج يصل إلى 2:5 مليون طن، بفضل ظروف مناخية ملائمة وهطولات مطرية سخية ساهمت في تحسين إنتاجية المساحات البعيلة.

ومع ذلك، فإن هذا النجاح الزراعي (نسبة تنفيذ المخطط بلغت 86% بمساحة 102 مليون هكتار) يواجه تحديات هيكلية؛ إذ بات يُنظر إلى "وفرة الإنتاج" كعبء مالي على المزارع، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج التي لم تعد تتناسب مع أسعار الشراء الرسمية.

وحددت وزارة الاقتصاد والصناعة سعر شراء طن القمح القاسي بـ 46 ألف ليرة سورية جديدة (ما يعادل تقريبًا 330-340 دولاراً أمريكياً).

ولعل من أهم المحفزات التي أعلنتها الحكومة في مجال انتاج وتسويق القمح إقرار "منح دعم" إضافية تضاف للسعر الأساسي (بانتظار التعليمات التنفيذية).

وإطلاق منصة رقمية لتنظيم عمليات الحجز والتوريد لتقليل الازدحام، والاستمرار في استلام المحصول محلياً لتجنب استنزاف العملة الصعبة في الاستيراد.

ومن التحديات الاستراتيجية التي تواجه زراعة وانتاج القمح هو ما يعرف بـ"السيناريو العراقي"؛ حيث يحذر الخبراء من أن استمرار السياسات التي تضغط على هامش ربح الفلاح قد تدفع بآلاف المزارعين إلى هجر زراعة القمح أو تقليص مساحاته في المواسم القادمة، وهو ما يهدد الأمن الغذائي الوطني في المدى الطويل. 

فارس الرفاعي - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي