أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

إنشاء نظام تصنيف اقتصادي ذكي: حلمنا نحو العدالة الاجتماعية

من دمشق - جيتي

إن بناء الدولة لا يبدأ من تشييد المؤسسات فحسب، بل من ترسيخ شعور المواطن بأن الدولة وُجدت لتحفظ كرامته وتؤمّن له أساسيات الحياة بعيدًا عن الخوف والعوز. وإذا كانت التحولات الكبرى، ونجاح الثورة، قد وضعت حدًا لمرحلة ثقيلة من استبداد النظام البائد وخوفٍ لم يكن كثيرون يتخيلون نهايته، فإن التحدي الأعمق اليوم يكمن في بناء عدالة اقتصادية حقيقية يلمسها الناس في تفاصيل حياتهم اليومية، ولا سيما أن السنوات الأخيرة أفرزت تفاوتًا واسعًا في مستويات الدخل والقدرة المعيشية بين السوريين.

وفي ظل الأزمات الاقتصادية العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراكم أعباء إعادة البناء، يصبح اتخاذ قرارات اقتصادية صعبة أمرًا طبيعيًا. غير أن نجاح هذه القرارات لا يُقاس بضرورتها وحدها، بل بمدى عدالتها في توزيع آثارها بين مختلف فئات المجتمع؛ فالسياسات الرشيدة لا تكتفي بمواجهة الأزمة، بل تحرص على ألا يتحمل عبأها من هم الأقل قدرة على الاحتمال.

ومن هنا، يبرز الحل الأكثر واقعية وعدالة: إنشاء نظام تصنيف اقتصادي وطني ذكي، يكون أساسًا لتطبيق نظام شرائح شامل في مختلف الخدمات الأساسية.

ويأتي قطاع الكهرباء في مقدمة هذه الخدمات؛ فالنظام الحالي بحاجة إلى إعادة تصميم جوهرية تجعل الشريحة الدنيا أقل تكلفة بكثير مما هي عليه اليوم، بحيث تكفي لإنارة منزل وتشغيل احتياجاته الأساسية كالغسالة والبراد والأدوات المنزلية الضرورية، دون أن يتحول الاستهلاك البسيط إلى عبء يرهق الأسرة. وفي المقابل، يجب أن ترتفع الأسعار تدريجيًا في الشرائح الأعلى، ولو بفوارق كبيرة وواضحة، بحيث يتحمل أصحاب الاستهلاك المرتفع والمقتدرون ماليًا الكلفة الحقيقية للطاقة.

هذه المقاربة ليست عقوبة لأحد، بل تطبيق لمبدأ اقتصادي أثبت نجاحه عالميًا: توجيه الدعم نحو الحاجة الفعلية، لا نحو الاستهلاك المجرد. ولا ينبغي أن يقتصر هذا النظام على الكهرباء فقط، بل يجب أن يمتد ليشمل الخبز والمياه والنقل وسائر الخدمات والمواد الأساسية المرتبطة بالحياة الكريمة؛ لأن العدالة الاجتماعية لا تتجزأ، ولأن الدعم حين يُوزَّع بذكاء يصبح أداة للنهوض لا عبئًا على الدولة.

غير أن نجاح هذا النموذج يتطلب آلية دقيقة وعادلة لتحديد موقع كل أسرة ضمن هذه الشرائح. وهنا تبرز أهمية إنشاء نظام تصنيف اقتصادي ذكي يقوم على الجمع بين التصريح الذاتي والتحقق التقني. في هذا النظام، يقدّم المواطن توصيفًا مباشرًا لوضعه الاقتصادي عبر منصة رسمية مبسطة، انطلاقًا من مسؤوليته الوطنية والأخلاقية، ثم تُراجع هذه البيانات آليًا وفق مؤشرات موضوعية تحددها الدولة، مثل مستوى الدخل، وعدد أفراد الأسرة، وحالة السكن (ملكية أم إيجار)، وحجم الاستهلاك، وعدد الموظفين في الأسرة، وطبيعة النشاط الاقتصادي والملكيات المسجلة.

ولضمان المرونة والعدالة، يخضع هذا التصنيف لمراجعات دورية تسمح بتحديث الوضع الاقتصادي للأسر كلما تغيرت ظروفها؛ وبهذا يتحول النظام من أداة جامدة إلى منظومة حيّة تستجيب للواقع المتبدل. قد يستغرق تأسيس هذا النموذج وقتًا وجهدًا تقنيًا وإداريًا، لكنه يظل استثمارًا طويل الأمد في استقرار البلاد وعدالتها الاجتماعية، فالسنوات التي ستحتاجها عملية البناء أقل بكثير من سنوات قد تضيع إذا استمر الدعم العشوائي أو غابت الرؤية الواضحة.

وليس هذا التصور غريبًا عن التجارب العالمية؛ ففي دول أوروبية عديدة مثل ألمانيا وهولندا، تُطبّق أشكال مختلفة من التصنيف الاقتصادي عبر أنظمة الإعانات الاجتماعية، حيث يحصل المواطن — وحتى العامل ذو الدخل المحدود — على دعم مرتبط بمؤشرات دخله وعدد أفراد أسرته، سواء في السكن أو إعانات الأطفال أو المساعدات المعيشية. والجوهر هنا ليس في استنساخ التجربة، بل في الاستفادة من فلسفتها القائمة على توجيه الموارد بعدالة ودقة.

ويبقى شرط النجاح الأهم هو إعادة ترتيب الأولويات؛ فمن غير المنطقي أن تُطالب الناس بالصبر والتقشف، بينما تصدر عن بعض المؤسسات مظاهر إنفاق ترفي تضعف الثقة وتخلق فجوة نفسية بين المواطن والدولة. فالثقة العامة تُبنى حين يرى المواطن أن التقشف يبدأ من أعلى الهرم، وأن المسؤولية تُمارَس قبل أن تُطلب، ومثال ذلك سيارات وزارة الأوقاف الفارهة التي أثيرت مؤخرًا.

إن بناء الدولة لا يتحقق بالشعارات، بل بقرارات ذكية وعادلة تُشعر المواطن بأن كرامته مصونة، وأن الأعباء موزعة بإنصاف. إن إنشاء نظام تصنيف اقتصادي ذكي يضمن توجيه الدعم إلى مستحقيه ويقنن الاستفادة من الخدمات الأساسية، ليس مجرد حل اقتصادي عابر، بل خطوة تأسيسية في طريق بناء دولة حديثة عادلة، تحفظ للإنسان حقه في حياة كريمة بعيدة عن العوز. 

محمد رافع أبوحوى - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي