في تطور دراماتيكي لملف "مجزرة التضامن"، خرجت إلى العلن اعترافات مساعد المخابرات السورية أمجد يوسف، يقر فيها بمسؤوليته المباشرة عن تصفية عشرات المدنيين. لكن المثير للجدل لم يكن الاعتراف بالجريمة فحسب، بل ادعاؤه بأن هذه الأفعال كانت "تصرفات فردية" تمت دون أوامر مباشرة من القيادة العليا؛ مما يثير تساؤلات قانونية وسياسية عميقة حول هيكلية العنف في النظام السوري واستراتيجيته في إدارة ملف الانتهاكات عبر حصر المسؤولية في "أكباش فداء".
اعتراف تحت المجهر
ويعتبر مراقبون حقوقيون أن اعتراف يوسف يمثل منعطفاً تاريخياً وسابقة من نوعها لعدة أسباب: أولها الشهادة تأتي من الداخل فلأول مرة نرى اعترافاً صريحاً ومصوراً لعنصر أمن أثناء الخدمة، مما يحول الانتهاكات من مجرد "تقارير منظمات" إلى حقيقة يقر بها الجناة.
والفيديو مع الاعتراف يشكل دليلاً مادياً لا يقبل التأويل، مما يضع المجتمع الدولي أمام استحقاق أخلاقي وقانوني ينسف سرديات "المؤامرة" ويضع آلاف العناصر الآخرين تحت مقصلة المساءلة.
ووفق مراقبين تطرح فرضية "الفعل الفردي" التي ساقها يوسف تحدياً كبيراً يمكن قراءته من زاويتين متناقضتين:
استراتيجية التنصل (خطة الدفاع): يرى محللون أن دفع العناصر لتبني الجرائم كأفعال فردية يهدف لحماية الرؤوس الكبيرة من ملاحقة محكمة الجنايات الدولية تحت بند "مسؤولية القيادة". فبموجب القانون الدولي، يُحاسب القائد عما أمر به، وعما علم به ولم يمنعه.
وإذا صح ادعاء يوسف، فهذا يعني اعترافاً رسمياً بـ "فوضى التوحش"؛ حيث يمتلك صف ضابط صلاحية تنفيذ إعدامات جماعية ميدانية باستخدام موارد الدولة (حفر، سيارات، وقود لحرق الجثث) دون رقيب، مما يحول مؤسسات الدولة إلى ميليشيات منفلتة.

المنهجية المؤسساتية مقابل "الصدفة"
وبالتحليل النقدي، تسقط حجة "التصرف الفردي" أمام الوقائع الميدانية. فالجريمة لم تكن عفوية أو ناتجة عن فورة غضب، بل كانت عملية منظمة وروتينية تطلبت لوجستيات لا تتوفر إلا بغطاء أمني. في الأنظمة شديدة المركزية، لا يمكن لعنصر تنفيذ مجزرة في منطقة عسكرية وحرق جثثها دون موافقة —أو على الأقل— علم رؤسائه.
فتح "صندوق الباندا"
وبحسب المصدر ذاته فإن قبول هذا الاعتراف كمنطلق يعني البدء بمرحلة جديدة من الملاحقات القضائية الدولية، وتتجلى أهمية ذلك في: المحاسبة الشاملة واستخدام قضية يوسف للمطالبة بالكشف عن مصير آلاف المفقودين؛ فإذا كان هذا فعل عنصر واحد، فماذا فعلت بقية المنظومة؟
وتعد هذه الاعترافات رسالة لكل عنصر أمن بأن القيادة قد تتخلى عنه في أي لحظة عند أول تسوية أو ضغط، مما يفكك تماسك الدوائر الأمنية الصغرى.
وهي تثبت أيضاً تحول الأجهزة الأمنية إلى "عصابات تصفية"، مما يعقد أي جهود دولية لإعادة تعويم النظام أو التطبيع معه.
وبين مطرقة الاعتراف وسندان "فردية الفعل"، يجد النظام السوري نفسه في مأزق قانوني. فإما أنه كان آمراً بهذه المجازر، أو أنه فقد السيطرة على عناصره لدرجة ارتكاب إبادات جماعية "بشكل شخصي". وفي كلتا الحالتين، يظل اعتراف أمجد يوسف حجر الزاوية الذي قد يهدم جدار الإفلات من العقاب، محولاً ملفات آلاف العناصر من طي الكتمان إلى طاولات القضاة الدوليين.
وبناءً عليه، فإن التركيز على "المسؤولية الجماعية والمؤسساتية" للمنظومة الأمنية يبدو المسار الأقوى في المحافل الدولية، كونه يمنع النظام السابق من تقديم أفراد كـ "قرابين" لإنقاذ الهيكل الكامل الذي خطط وسمح لهذه الجرائم أن تقع.
"إن العدالة التي تبدأ باعتراف جاني واحد، لن تتوقف حتى تكشف الهيكل الكامل الذي سمح للجريمة أن تقع".
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية