أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

نجاح المجلس التشريعي، نتيجة أم مسؤولية؟

هذا المقال ليس موقفا"، ولا بيانا"، ولا محاولة لإثبات رأي، بل هو اجتهاد في التفكير، ومحاولة لطرح حلول في واقع يضيق بالأسئلة قبل الإجابات.

في كل مرحلة انتقالية، لا يكون التحدي الحقيقي فقط في إسقاط ما كان قائماً، بل في القدرة على بناء ما يجب أن يكون. وهنا تحديداً تبرز أهمية وجود مجلس تشريعي فاعل، لا كإجراء شكلي أو استحقاق مؤجل، بل كحجر أساس في إعادة تنظيم الحياة العامة، وصياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على قواعد جديدة، تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون بدل السيطرة والاحتكار.

في الحالة السورية، تكتسب هذه اللحظة وزناً مضاعفاً، لأنها لا تمثّل مجرد انتقال سياسي عادي، بل خروجاً من مرحلة طويلة استخدمت فيها القوانين كأداة للهيمنة على مفاصل الدولة، من المؤسسات الحكومية إلى النقابات والمنظمات، وصولاً إلى احتكار العمل السياسي ضمن إطار واحد.

لذلك، لم يعد السؤال اليوم كيف نُسقط ما كان، بل كيف نعيد تعريف دور القانون نفسه، ونحوّله من وسيلة للضبط والإقصاء إلى إطار ينظّم المجتمع ويحمي حقوقه.

لكن مع تقدّم الوقت ودوران عجلة المرحلة الجديدة، يصطدم هذا التحوّل بمنظومة قانونية قائمة لم تُصمَّم لهذه المرحلة، وهو اصطدام لا يقتصر على جهة دون أخرى، بل يطال الجميع. فالسلطة التنفيذية كثيراً ما تجد نفسها عاجزة عن تنفيذ خططها ضمن إطار قانوني مقيّد، كما ويظهر هذا التعثّر بوضوح في بطء ملف العدالة الانتقالية، الذي يُفترض أن يشكّل خطوة حاسمة في طيّ صفحة الماضي. وفي المقابل، يجد المجتمع نفسه مقيّداً بقوانين تحدّ من حركته السياسية والتشاركية، ما ينعكس في النهاية على بطء الأداء العام، ويؤثر بشكل مباشر على الواقع المعيشي والخدمي، ويجعل الحاجة إلى مجلس تشريعي فاعل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

في النقاش حول المجلس التشريعي، يظهر خلط واضح بين التمثيل والشرعية والمشاركة، وكأن أي نقص في أحدها يعني سقوط الآخر. فمع طرح الآلية الجديدة لاختيار الأعضاء، والتي حاولت تحقيق توازن بين الانتخاب وسدّ فجوات التمثيل، برزت انتقادات واسعة اعتبرت التجربة أقرب إلى التعيين منها إلى التمثيل، وذهب البعض أبعد من ذلك بالتشكيك في شرعية المجلس واعتباره أداة بيد الإدارة لتمرير قراراتها. جزء من هذا النقد مفهوم في سياق تجربة طويلة فقد فيها المجتمع الثقة بمؤسسات الدولة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقاش من تقييم الآلية إلى الحكم المسبق على النوايا. فالمراحل الانتقالية لا تُبنى على نماذج مثالية مكتملة، بل على صيغ قابلة للتطوير، تحاول التوفيق بين الممكن والمتاح. وما يواجه هذه التجربة اليوم ليس فقط تحدي التمثيل، بل تحدي الثقة. لأن غياب الثقة لا يعطّل النقاش فحسب، بل يهدد أي محاولة للبناء منذ بدايتها. والسؤال الأهم هنا لا يجب أن يكون فقط “من يمثل؟”، بل “هل يمكن تطوير هذه التجربة لتصبح أكثر تمثيلاً ومشاركة مع الوقت؟

بعد كل النقاشات والانتقادات، يمكن طرح السؤال بشكل مباشر: ماذا بعد؟ هل يبقى المجتمع في موقع المراقب، أم يمكنه أن يكون جزءاً فاعلاً في صناعة القرار؟

حتى لو افترضنا، جدلاً، وجود سوء نوايا — وهو طرح لا أتبناه بقدر ما أستخدمه لاختبار الحلول — فإن السؤال الأهم لا يعود متعلقًا بما تريده الإدارة، بل بما يمكن للمجتمع أن يفعله. لأن التجارب لا تُقاس فقط بنوايا من يقودها، بل بقدرة المجتمع على التفاعل معها وتوجيهها.
وهنا، لا يبدأ الحل من المجلس… بل من المجتمع نفسه.

الخطوة الأولى لا تحتاج إلى قرارات كبيرة، بل إلى مبادرة بسيطة بأن تبدأ المجموعات ذات الاهتمام المشترك — مهنية، اقتصادية، نقابية، أو حتى شبابية — بمراجعة القوانين القائمة، ليس من باب النقد العام، بل من باب الفهم والتشخيص. أين تكمن نقاط الخلل؟ أين لا تتوافق هذه القوانين مع المرحلة الجديدة؟ وما الذي يمكن اقتراحه بدلاً منها؟

هذه ليست فكرة نظرية، بل ممارسة بدأت تظهر بالفعل في بعض القطاعات، حيث شاركت غرف الصناعة والتجارة والفعاليات الاقتصادية في تقديم مقترحات فعلية ضمن قوانين الاستثمار والضرائب، في محاولة للانتقال من موقع المتأثر بالقانون إلى موقع المساهم في صياغته. وهذا النموذج، بدل أن يبقى استثناءً، يجب أن يتحول إلى قاعدة.

الأمر ذاته ينطبق على النقابات والمنظمات، التي يفترض أن تكون في طليعة هذا الدور. فهذه الكيانات لا تملك فقط شرعية تمثيل أعضائها، بل تملك أيضاً القدرة على إنتاج معرفة تخصصية، تجعل من مقترحاتها أكثر جدية وقابلية للتطبيق. لتنتقل من ماذا فُرض علينا؟ إلى ماذا سنفعل نحن لتغييره؟

أما الخطوة الثانية، فهي الانتقال من إنتاج الأفكار إلى إيصالها. فكل هذه المقترحات، مهما كانت متماسكة، تبقى محدودة الأثر إن لم تجد طريقها إلى من يملك القدرة على تحويلها إلى قوانين. وهنا يأتي دور بناء قنوات تواصل حقيقية مع أعضاء المجلس التشريعي، ليس كعلاقة ضغط تقليدية، بل كعلاقة عمل وتكامل. أن تصل هذه الأفكار إليهم، أن تُناقش، أن تُطوّر، وأن تُبنى عليها مشاريع قوانين تنطلق من المجتمع، لا تُفرض عليه وعندها فقط، تتغير المعادلة، فلم يعد المجتمع متلقيًا، بل شريكًا.

ومع تشكّل هذه الديناميكية، يصبح الجميع داخل المعادلة: من يدرس، ومن يقترح، ومن يناقش، ومن يشرّع. ويشعر كل فرد، في موقعه، أنه ممثل فعلياً، لا لأن اسمه موجود ضمن قائمة، بل لأن صوته واصل ومؤثر.

حتى في أسوأ السيناريوهات، وفي حال ثبتت أي مخاوف من سوء استخدام السلطة، فإن وجود مجتمع منظم، واعٍ، وقادر على الحوار والمشاركة، يشكّل بحد ذاته قوة توازن حقيقية، قادرة على كبح أي انحراف، ليس عبر الصدام، بل عبر الحضور الفعّال. لأن المجتمعات التي تنتظر أن تُمنح دورها، تبقى على الهامش أما المجتمعات التي تصنع هذا الدور، فهي التي تفرض نفسها في قلب القرار.

في الختام المجلس التشريعي ليس نصوصاً ولا آلية تشكيل فقط، بل تجربة سيتحدد مصيرها بطريقة تعامل المجتمع معها. فإما أن نبقى متفرجين ننتقد وننتظر، أو نكون جزءاً من صناعتها ونمنحها فرصة للتطور.

هذه المرحلة لا تحتاج مؤسسات مثالية، بل مجتمعاً مستعداً للمشاركة، يفهم أن بناء الدولة لا يتم بالانتظار، بل بالفعل. لأن الفرق بين نجاح التجربة وفشلها، لا تصنعه النوايا وحدها بل يصنعه الناس.
هل سينجح المجلس وهل نحن مستعدون لإنجاحه؟

وسيم توتونجي - زمان الوصل
(9)    هل أعجبتك المقالة (341)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي