في تطور لافت على صعيد قطاع الطاقة، أفادت مصادر رسمية بأن الشركة السورية للبترول باشرت عملية استجرار النفط الخام من حقول رميلان والسويدية في محافظة الحسكة، في خطوة تعد الأولى من نوعها منذ سنوات.
ويأتي هذا الإعلان بالتزامن مع تصاعد حدة الحرب في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز، مما دفع أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع.
فهل يعني هذا أن دمشق نجحت في تأمين احتياجاتها المحلية والخروج من عنق الزجاجة الذي فرضته سنوات الحرب والفاتورة النفطية الثقيلة؟
"70 ألف برميل" بين الواقع والطموح
بحسب تصريحات رسمية، يبلغ الإنتاج الحالي لحقول رميلان ما بين 70 و 80 ألف برميل يومياً . وقد أكد مدير حقول نفط رميلان، أحمد إبراهيم، أن "كل النفط المنتج يُستخدم لتلبية الاحتياجات المحلية ولا تُباع أي كميات منه".
هذا الرقم، وإن كان يمثل تقدماً كبيراً مقارنة بالفترة التي سبقت استعادة السيطرة على هذه الحقول (حيث كان الإنتاج لا يتجاوز 15 ألف برميل يومياً) ، إلا أنه لا يزال بعيداً عن تلبية احتياجات السوق المحلية بالكامل، ناهيك عن استعادة القدرة على التصدير. فقبل عام 2011، كان إنتاج حقل رميلان وحده يصل إلى حوالي 120 ألف برميل يومياً، بينما كان الإنتاج الكلي لسوريا يقارب 400 ألف برميل يومياً.
معادلة النفط: ارتفاع عالمي وفجوة محلية
إن ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب التوتر في مضيق هرمز يُعد سلاحاً ذا حدين بالنسبة لسوريا, فبينما تستورد سوريا جزءاً من حاجتها من المشتقات النفطية، فإن أي ارتفاع في الأسعار العالمية يفاقم فاتورة الاستيراد. في المقابل، فإن توفر النفط المحلي من حقول رميلان يخفف الضغط على العملة الصعبة ويؤمن احتياجات أساسية مثل المازوت والبنزين للمواطنين.
ومع ذلك، تشير تقارير ميدانية إلى أن البلاد لا تزال تعاني من أزمات خانقة في قطاع الطاقة. فقد شهدت الأيام الماضية تبايناً في البيانات الرسمية حول توفر المشتقات النفطية، وسط ازدحام على محطات الوقود وتراجع في ساعات التغذية الكهربائية . ويعود ذلك جزئياً إلى تعطل إمدادات الغاز عبر الأردن نتيجة التصعيد الإقليمي، مما أثر على توليد الكهرباء.
تحديات إعادة التأهيل وعقبة "الحراقات"
ورغم سيطرة الحكومة على الحقول، فإن الطريق إلى استعادة كامل طاقتها الإنتاجية لا يزال طويلاً وشاقاً. تعرضت البنية التحتية لحقول رميلان لأضرار جسيمة نتيجة "التقادم الفني" لسنوات من غياب الصيانة، إضافة إلى الأضرار العسكرية الناجمة عن القصف . وتشير التقديرات إلى أن إعادة تأهيل الحقول المستعادة قد تستغرق نحو ثلاث سنوات، وفق خطة تعتمد على جذب شركات عالمية متخصصة.
كما أن المنطقة كانت تعتمد لسنوات على ما يعرف بـ "الحراقات" أو المصافي البدائية لتكرير النفط، وهي وسيلة اضطرت إليها "الإدارة الذاتية" سابقاً لتلبية الاحتياجات المحلية، إلا أنها تتسبب في خسائر فنية وبيئية كبيرة . ومن المتوقع أن يؤدي دمج هذه الحقول مع الشركة السورية للنفط إلى إنهاء حقبة التكرير البدائي، وإعادة ربطها بالمصافي الوطنية الكبرى في حمص وبانياس.
هل خرجت دمشق من عنق الزجاجة؟
الإجابة المختصرة هي: ليس تماماً، لكنها خطوة عملاقة في الاتجاه الصحيح. إن استجرار النفط من رميلان يمثل إنجازاً استراتيجياً يضع موارد طبيعية هائلة تحت تصرف الدولة، ويحد من اعتمادها على الاستيراد في ظل ظروف إقليمية مضطربة. كما أن إيرادات النفط، إن تمت إدارتها بشكل سليم، يمكن أن تمول مشاريع تنموية كبرى.
ومع ذلك، تبقى التحديات جسيمة. فإنتاج 70 ألف برميل يومياً لا يغطي سوى جزء من الاحتياج المحلي الذي كان يقدر بنحو 200 ألف برميل يومياً . كما أن العقوبات الغربية (قانون قيصر) لا تزال عائقاً كبيراً أمام جذب الاستثمارات الأجنبية اللازمة لتطوير القطاع.
استعادة حقول رميلان وبدء ضخ نفطها إلى السوق المحلية يعد انتعاشة قوية للاقتصاد السوري، ويمثل بداية نهاية عصر "الفاتورة النفطية الكبيرة". لكن عنق الزجاجة لا يزال ضيقاً، والعبور الكامل منه يتطلب جهداً وطنياً مضاعفاً لإعادة التأهيل، واستثمارات ضخمة، وحلولاً ذكية لتجاوز تعقيدات العقوبات الدولية، وتأمين احتياجات السوريين اليومية من الكهرباء والمحروقات.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية