بينما تعمل الإدارة السورية الجديدة على إعادة هيكلة القطاع العام، تبرز فئة مهمشة تعاني مما تصفه بـ"الظلم مرتين": أسر المفقودين الذين اختفوا في سجون النظام السابق، والذين لم يتمكنوا حتى اليوم من إثبات وفاة معيليهم، فوجدوا أنفسهم خارج الوظيفة الحكومية بعد قرارات فصل طالت العقود السنوية، دون أن تُتاح لهم فرصة تقديم أي معلومات عن أوضاعهم الخاصة أو يتم سؤالهم حتى.
"زوجي مختفٍ منذ 2012.. وفوجئت بفصلي دون سابق إنذار"
تقول أم خالد، وهي زوجة مفقود اعتُقل في عام 2012 ولم يُعرف مصيره حتى الآن، لـ"زمان الوصل": "تزوجت عام 2010، وبعد سنتين اعتُقل زوجي في إحدى حواجز النظام. رفعت دعوى فقدان بالمحكمة، وانتظرت السنوات الطويلة، لكن لا جثة ولا خبر.
كنت أعمل بعقد سنوي في إحدى الدوائر الحكومية منذ 8 سنوات، أعيل بها ثلاثة أطفال.
فوجئت مطلع هذا العام بقرار عدم تجديد عقدي، ولم يسألني أحد إن كان لدي شهيد أو مفقود في الثورة. اكتشفت أن اسمي ورد ضمن قوائم الفائض، واكتشفت لاحقاً أن العديد من زميلاتي اللواتي فقدن أزواجهن في السجون واجهن المصير نفسه".
وتضيف أم خالد بصوت مبحوح: "النظام السابق لم يعترف بزوجي كشهيد، بل كان يعتبره مجرماً لمجرد أنه خرج بمظاهرة.
واليوم تفصلني الدولة الجديدة لأن عقدي سنوي، ولأن ملفي لا يندرج تحت تصنيف 'ذوي الشهداء' الرسمي. نحن ضحايا مرتين: أولاً بفقدان معيلنا دون معرفة مصيره، وثانياً بفقْد مصدر رزقنا الوحيد".
الملف الموازي.. عندما يتحول الفقدان إلى عائق قانوني
تكشف مصادر مطلعة أن المشكلة الأكبر تكمن في وجود فئة واسعة من الموظفين والعاملين بعقود سنوية هم من "أسر المفقودين"، أي الذين تقدموا بدعاوى فقدان بالمحاكم، وانتظروا انقضاء المدة القانونية (غالباً 4 سنوات) لصدور حكم باعتبار المفقود ميتاً، لكن الإجراءات البيروقراطية وتعقيدات الحرب حالت دون إنجاز معظم هذه الملفات.
هؤلاء كانوا يعملون بعقود سنوية هشة، ويعيشون على أمل العودة أو معرفة الحقيقة. وعندما صدر قرار إعادة الهيكلة، لم يشملهم أي استثناء، لأنهم لا يملكون 'ورقة رسمية' تثبت أنهم من ذوي الشهداء الثورة".
قرار الفصل.. والمفاجأة: "لم يُسأل أحد"
في وزارة التنمية الإدارية، أكد مصدر مسؤول (فضل عدم الكشف عن اسمه) أن لجان إعادة الهيكلة اعتمدت بشكل أساسي على قواعد البيانات الإدارية القديمة، دون إجراء مسح ميداني للفئات الأكثر هشاشة.
ويقول المصدر: "صحيح أن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية أصدرت القرار رقم 2533 في آب 2025 القاضي بعدم تجديد العقود السنوية إلا للحاجة الماسة، لكن التنفيذ ترك للجان المحلية، وهذه اللجان لم تطلب من الموظفين أي معلومات إضافية حول وضعهم العائلي. لم يُسأل أحد: هل لديكم مفقودون أو شهداء في الثورة؟".
ويضيف المصدر: "المشكلة أن فئة أسر المفقودين غير مرئية إدارياً.
هي ليست في قاعدة بيانات 'ذوي الشهداء' ، ولا في قاعدة بيانات المعتقلين السابقين التي بدأت الحكومة الجديدة بتشكيلها. إنها منطقة رمادية، تعيش على هامش القانون".
مناشدات إلى "زمان الوصل": معجزة مطلوبة للعودة
تلقت "زمان الوصل" خلال الأسابيع الماضية العشرات من المناشدات والرسائل من موظفات وموظفين فقدوا أزواجهم أو آباءهم في سجون النظام، وتم فصلهم من وظائفهم.
تقول إحدى الرسائل: "نحن لا نطلب أكثر من حقنا في العيش الكريم. بعد 14 عاماً من المعاناة والانتظار، وجدنا أنفسنا خارج أسلاك الوظيفة العامة. محاولات العودة اليوم تحتاج إلى معجزة، فالقانون لا يسمح بإعادة من انتهت عقودهم، والجهات المعنية تقول إن أسماءنا لم تكن مدرجة ضمن قوائم الحماية الاجتماعية".
وفي رد على سؤال حول إمكانية إصدار تشريع استثنائي لهذه الفئة، أكد مصدر قانوني أن "القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم 50 لعام 2004 ينص على أن إنهاء العقد المؤقت يتم بانتهاء مدته، ولا يحتاج إلى أسباب. وبالتالي، فإن عودة هؤلاء الموظفين تحتاج إلى قرار جديد بإعادة التعيين، وليس إلى إعادة نظر في قرار الفصل.
هذا يتطلب تدخلاً حكومياً استثنائياً، أو تشريعاً خاصاً يُخرج هذه الفئة من دائرة الإجراءات العامة".
مطالب بالتحرك العاجل
ندعو باسم كل من راسلنا إلى تشكيل لجنة خاصة للنظر في أوضاع أسر المفقودين والمعتقلين السابقين، وفصل حالتهم عن إجراءات إعادة الهيكلة العامة. وطالبوا بإجراء مسح ميداني شامل لكل العاملين بعقود سنوية، للتعرف على الحالات الإنسانية والاجتماعية الصعبة، وخاصة تلك التي فقدت معيلها في سياق الثورة.
وكان وزير العدل مظهر الويس قد أكد في تصريحات سابقة أن ثمة "عوائق عملية عدة" تقف أمام تطبيق مسار العدالة الانتقالية، مشيراً إلى أن "استكمال المسار يتطلب أولاً بسط سيطرة الدولة وسيادة القانون على كامل التراب الوطني، وثانياً بناء قضاء مستقل وكفؤ من الصفر، ومراجعة ملايين الملفات والأحكام القديمة".
هل من مخرج؟
الأنظار تتجه اليوم إلى الجهات الوصائية، في ظل ترقب إصدار تشريعات جديدة تنصف هذه الفئة المهمشة. وفيما تؤكد مصادر حكومية أن "ملف المفقودين والمغيبين قسراً هو أولوية"، يبقى السؤال: متى تترجم هذه الأولويات إلى قرارات فعلية تعيد الاعتبار لآلاف الأسر التي دفعت ثمناً باهظاً من أجل الحرية، لتجد نفسها اليوم خارج حسابات الدولة الجديدة؟
"زمان الوصل" ستفتح ملف هذه القضايا للتوثيق والمتابعة، وستنشر تفاصيل الحالات الإنسانية التي تم فصلها ومنهج تعامل السلطات الجديدة معها في تقارير لاحقة، ما لم يتم التحرك العاجل لإنصاف هذه الفئة.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية