أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بابا أنا جوعان.. موت تحت التعذيب أيضاً.... عدنان عبدالرزاق*

أرشيف

مرة، عام 2012 كتبت متفزلكاً على "فيس بوك" ولم أفكّر بالعقابيل واحتمالات خطأ الفهم، أنّ ابني آداد قال لي "بابا ألم تعدنا بكنافة وبأكلة اللحم بعجين...بابا أنت كاذب وأنا لا أحب الكاذبين".

بعد ذاك بأيام، كنت على موعد مع صديق بإسطنبول "مصطفى السيد"، وما إن التقينا، حتى وضع بجيبي مالاً وأقسم أن أشتري لابني ما يشتهي..وأيّ عذر سيصدقه صديقي بأن القصة برمتها، دعابة وحشو فيسبوكي، ولا يأخذ مني موقفاً لأني أعدت له مبلغه شاكراً.

بالأمس، نشرت منظمة "أنقذوا الأطفال" تقريراً حول حرمان وتجويع السوريين، ولم تأت بجديد لجهة نسب وأرقام خط الفقر والتجويع ما تحتهما، بيد أنها صفعت بمعلومة، ولأول مرة تعلن ربما، أن نصف أطفال سورية، لم يتذوقوا الفاكهة منذ ثلاثة أشهر على الأقل، فضلاً عن 700 ألف طفل سوري إضافي، يواجهون الجوع هذا العام، ليرتفع عدد الأطفال الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي إلى 4.6 مليون طفل من أصل 9.3 ملايين سوري يفتقرون إلى الغذاء الكافي.

بعد أن أعادتني الأرقام وتجويع الأطفال لحادثة منشوري الفيسبوكي، فكرت في كيفية التعاطي وتسويق هذه الجرائم المستمرة، بخطة وتخطيط أسدي، مذ تمادى السوريون وطالبوا بكرامتهم وحريتهم.

بمعنى، لماذا فقدنا كسوريين التعاطف الدولي، رغم أن مآسينا وقتلانا، ظاهرتان متفردتان خلال العصر الحديث، ووصلت عبر تجويعنا وتشريدنا، رسائل "هذي مصائر من يتمرد على المستبدين" التي حمّلها العالم والجوار، بعد نظام الأسد، على أجسادنا وملامح بؤسنا، لكل من يهمه ولا يهمه الأمر.

ربما تتفتق هنا أسباب كثيرة، بعضها محق، كأننا الذي أخطأ الانطلاقة والمسيرة والهدف، وسكتنا عن سراق أحلام السوريين، أكانوا بكيانات السياسة ومواقع القرار، أو هؤلاء الذين وجدوا بالعمل الإغاثي والإنساني، مهنة تدرّ دولارات، المحافظة عليها أولّى من الوطن وفاكهة الأطفال.

أو أسباب واقعية وإن غير محقة، إن بدأت بالقصدية لتأديب المنطقة بالسوريين، لا تنتهي عند، أن ثورة السوريين طالت ولم تعد أخبار جوعاهم وقتلاهم، عناوين جاذبة بنشرات الأخبار أو مواضيع تعود على المنظمات والدول، منافع وتمويل وتكسبهم صفات الفرسان ودعاة إحقاق العدالة والحقوق.

بيد أن أسبابا أخرى، تتعلق بنا، نحن الناقلون، والذين لم نعرف كيف نسوّق قضايانا ولم نفهم ذهنية الآخر، وذلك رغم صفعات الخيبة وتبديد الحقوق، التي نتلقاها عبر تسع سنوات.

هنا، سأعاود المقاربة عبر قصة.

كنت أخضع لدروة تدريبية في "البي بي سي" عام 2002، وحدثت ونحن بـ "البوش هاوس" بلندن، مجزرة جنين التي قتل خلالها الإسرائيليون، وفق تقرير الأمم المتحدة، 58 فلسطينياً. لكن الإعلام العربي بمجمله، كان يورد خلال الأخبار، أن مئات الفلسطينيبن قتلتهم إسرائيل.

وقتذاك، أخذنا درساً من المدرب، وهو أن المبالغة والتهويل، لا يفقدانك الحق فقط، بل يلعب الآخر على كذبك، ليدحض مقولتك اليوم ويخلق تشكيكاً بما ستقوله لاحقاً.

وهذا بالفعل ما حدث، فإسرائيل ومعظم الإعلام الغربي، وقفوا على التضليل ومحاولات الاستعطاف التي نهجها الإعلام الغربي، وسوّقوا للعالم أنهم الصادقون حتى بنقل عدد قتلى الفلسطينيين.

وتابع المدرب وقتذاك بدرسه، أن مقتل فلسطيني مدني واحد، هي جريمة، وليست العبرة بالعدد دائماً، خاصة إن كان غير موثق، بل المهم في تسويق الجريمة بما تثير مشاعر وعضب واستعطاف الجمهور.

فأن يتم التسليط على قصة طفل بترت ساقه خلال المجزرة، سيكون لها مفاعيل عشرات القصص التي تعرض الدم والقتلى...هذا إن تابع الجمهور مشاهد الدم أو عرضته وسائل الإعلام أصلاً.

ما أريد قوله، أننا نستسهل ومنذ انطلاقة الثورة، رمي الآخرين بالعبارات الكبيرة، لاعتقادنا، وفق ذهنيتنا وثقافتنا، أنها مزلزلة، فما تأثير أن طفلا لم يأكل تفاحة منذ ثلاثة أشهر، أمام مئات أطفال قضوا تحت ركام الأبنية جراء قصف نظام الأسد بالبراميل.

ربما هذا صحيح، لمرة أو مئة مرة، ولكن باتت هذه الأخبار، رغم أنها جرائم إنسانية، مألوفة ومكرورة بالنسبة للمتلقي وحتى صاحب القرار، ولم تعد تؤتي المفاعيل المرجوة، فهي إن أثارت عواطف المتلقي، لن تحركه بالتأكيد، ليخرج بمظاهرة أن يضغط لإنصاف السوريين.

في حين، قد تحرك قصة طفل سوري بالثامنة من عمره، لا يعرف لون الموز أو لم يتذوق طعم التفاح، شوارع إن لم نقل دولاً، اللهم إن اشتغلها مهنيون وسوقوها بما يهتم الآخر وليس وفق رغباتنا وعويلنا.

نهاية القول، تعالوا، بعيداً عن طرائق تسويق قضايانا الواضحة أكثر من شمس بيوم سوري قائظ وطويل، أو البحث عن الحقوق بزمن الاستقواء وسعي الأقويّاء لعودة أبشع أشكال الاستعمار وعصر العبودية.

تعالوا نعِش اللحظة أو نحاول، بأن ابناً لنا لم يأكل فاكهة منذ أشهر، وطلب إلينا موزة تذكرها من شاشة أو رآها بيد عابر، ونحن عاجزون عن تلبية حلمه...فأيّ موت تحت لتعذيب ذاك وأي شعور بالتلاشي سيسكننا.

* من كتاب زمان الوصل
(47)    هل أعجبتك المقالة (33)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي