أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الإصبع القادمة من السويداء.. فؤاد عبد العزيز*

عندما انطلقت الثورة من درعا، وقام النظام بقطع الكهرباء وكامل سبل العيش عنها ، كانت السويداء هي المتنفس الذي لجأ إليه أهالي المحافظة لكي يشتروا منها كل حاجياتهم، بدءا من الخبز وانتهاء بالشموع، التي أصبحت عملة نادرة وتستحق العناء والبحث عنها.

وكنت أحد أولئك الذين ذهبوا أكثر من مرة إلى السويداء، وتجول في محالها التجارية، وخالط الناس وتحاور معهم، وعرف حقيقة موقفهم من الثورة، حتى أن بعضهم كان يحاول أن يحضنني عندما يعلم أني من درعا، وكأنني مفجر الثورة هناك..

وفي موقع العمل في دمشق، كان أبناء السويداء، هم الأكثر اقترابا منا نحن أبناء درعا، وكنا نسمع منهم تلك الكلمات التي تشد على الأيدي، وتدعونا للاستمرار، وبأنهم لاحقون بنا لا محالة..حتى العام 2011، كان بشار الأسد ونظامه، قد استعدى بشكل مجاني، أغلب أفراد الشعب السوري وفي جميع المحافظات، بمن فيهم أبناء المنطقة الساحلية، وأرجو أن لا تستغربوا إذا قلت لكم، إن الكثير من الزملاء في وكالة "سانا" من أبناء الطائفة العلوية، كانوا يقولون لي في بداية الثورة، إنهم ليسوا على استعداد للوقوف إلى جانب "رامي مخلوف" والدفاع عن سرقاته، في إشارة إلى أنهم لن يدافعوا عن بشار الأسد، الذي أعلى من شأن اللصوص، وجعلهم يستبيحون كل مقدرات البلد وثرواته. هذا كان يعكس حالة الوعي لدى أبناء الشعب السوري في تلك الفترة، الذين أخذوا يدركون، بعد مضي عشر سنوات على حكم بشار الأسد، بأنه ليس أكثر من مجرد لص و"تافه" وكذاب، وقد تراجعت مكانة البلاد وموقعها الدولي والاستراتيجي في عهدها، أكثر مما كانت عليه أيام والده حافظ الأسد، هذا ناهيك عن سياسة النهب والتمييز والتفريق التي مارسها بحق الشعب السوري، بما فيها داخل الطائفة العلوية ذاتها.

ما حدث بعد ذلك، يعرفه الجميع أو أغلبنا، وكيف أن النظام استغل عناصر القوة التي يملكها، والتي استخدمها في تخويف طائفته وجعلها تصطف خلفه وتدافع عنه حتى الموت، ثم عمد بعدها إلى ممارسة كل أشكال العنف بحق المناطق الثائرة، الأمر الذي أعطى درسا كبيرا لكل من يفكر في الثورة عليه، وبالذات المناطق ذات الطيف الطائفي الأقلوي، كالسويداء على وجه الخصوص، ومنها أيضا منطقة السلمية في ريف حماة..

على أية حال، ليس هذا مجال حديثنا وبحثنا، فهو أمر قد يطول النقاش فيه، لكن ما نود قوله، إن النظام اعتقد خاطئا، بأن سياسة التخويف والقمع يمكن أن تجعله مستمرا في قيادة البلد، وتجعل الناس تقبل بوجوده ولو على مضض، إلا أن ما حدث، أنه بعد أكثر من تسع سنوات، لم يترك فيها النظام وسيلة وسخة إلا واستخدمها، إلا أن الناس لا زالت قادرة على الخروج إلى الشارع وتطالب برحيله..بل هي اليوم أكثر رفضا له، من الأيام الأولى التي أعقبت الثورة.

من هنا، لا يجب الاستهانة أبدا بحراك محافظ السويداء، ولازالت عبارات أحد المخضرمين سياسيا ترن في أذني في بداية الثورة، والذي قال لي بالحرف: راقب محافظة السويداء..عندما تتحرك بالكامل، فاعلم عندها أن النظام سوف يسقط لا محالة..وكانت رؤيته في ذلك، أن النظام يستطيع تطييف الحراك في درعا وحمص وحماة والرقة وحلب وغيرها من المحافظات السنية..أما السويداء ، فهي "الإصبع" التي ستقلع عينيه إذا ما تحركت.

*من كتاب "زمان الوصل"
(41)    هل أعجبتك المقالة (40)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي