أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

تلفزيون الأسد يَقسم شاشته!... ماهر شرف الدين*


لم يَقسِمْ تلفزيونُ الأسد شاشتَه إلى ستَّة أقسام لكي ينقل وقائع المظاهرات التي عمَّت سوريا سنة 2011، لكنه قَسَمها قبل أيام لنقل وقائع المظاهرات الأميركية سنة 2020!
على تلفزيون حكوميّ مغمور لا يتابعه حتى شعبه، تقرأ أسماء: بوسطن ولوس أنجلوس وشيكاغو وديترويت... ولا تقرأ أسماء: درعا وحمص وإدلب ودير الزور!

تسمع اسم "جورج فلويد"، ولا تسمع اسم "غياث مطر"!
ترى ركبة الشرطي الأميركي الأبيض وهي جاثمةٌ على رقبة المواطن الأميركي الأسود في مدينة مينابولس، ولا ترى أقدام الجنود السوريين العلويين وهم يدوسون على أجساد المواطنين السوريين السنَّة في قرية البيضا!

تشاهد فيديوهات نهب المتاجر الأميركية على يد أصحاب سوابق ومجرمين استغلّوا حالة الانفلات الأمني، ولا تحلم بمشاهدة فيديوهات التعفيش لبيوت وأرزاق السوريين على يد الجيش الذي يُسمّي جنودَه "حماة الديار"!

تتابع وثائقياً عن التمييز العنصري ضدَّ السود في أميركا، ولا تتابع شيئاً عن الإبادة الطائفية في سوريا!

عشرات آلاف الصور التي هزَّت العالم بوحشيَّتها، لمعتقلين سوريين قضوا تعذيباً في أقبية المخابرات، لن ترى واحدةً منها على الشاشة المقسومة إلى ستَّة أقسام هذه الأيَّام (كما لو أنَّ طموحاً مستجدَّاً راودَ محطّة الأسد لمنافسة المحطَّات الأميركية!).

وإذا حدث أن مرَّت صورةٌ من تلك الصور على شاشة تلفزيون الأسد، فسيحدث ذلك في سياق مروّع للانحطاط البشري، مثلما حصل الشهر الفائت مع الشهيدة رحاب العلَّاوي، صاحبة الصورة الأشهر في مجموعة "قيصر"، حين عرضَ مسلسلٌ دراميٌّ رقيعٌ تلك الصورة باعتبارها صورة فتاة مصرية قُتِلَتْ في سوريا وتمَّت سرقة أعضائها!

وفي هذه الأيام التي صار فيها جوعُ ملايين السوريين هو التسعيرة الجديدة لإطالة أمد جلوس بشار الأسد على كرسيه الصغير، لو كان التلفزيونُ سوريَّاً حقَّاً، لقَسَمَ شاشته إلى أقسام لنقلِ لقطاتٍ لسوريين ينبشون حاويات القمامة بحثاً عن بقايا طعام تُسكت جوعهم، ولقطاتٍ لسوريين يبيعون كلاهم وبعض أعضاء جسمهم ليأكلوا بثمنها، ولقطاتٍ لسوريين انتحروا برمي أنفسهم من فوق "جسر الرئيس" بدمشق.

لو كان التلفزيونُ سوريَّاً فعلاً، لقَسَمَ شاشته إلى أقسام لنقلِ مشاهدات من حياة البذخ التي تحياها أسماء الأسد، ولتصوير أسطول السيَّارات الفارهة التي يملكها ابن بثينة شعبان، ولبثّ حيّ ومباشر للحفلات الماجنة التي يقيمها وسيم الأسد على شرف صديقه تاجر المخدّرات اللبناني نوح زعيتر الذي يصول ويجول في سوريا.

لو كان التلفزيونُ سوريَّاً فعلاً، لقَسَمَ شاشته إلى أقسام لنقلِ وقائع مظاهرات السويداء الأخيرة، بدل الانشغال بمظاهرات المدن الأميركية على بُعد آلاف الكيلومترات.

لا يأمل السوريون شيئاً من هذا التلفزيون سوى اتّقاء شرّ شاشته باعتبارها أداةَ قمعٍ أمنيةً، حاولت إرهابهم زمناً، والتضليل على دمهم زمناً، وتزوير موتهم زمناً. وحين انتهت قدراتها الترهيبية وصارت عديمة المفعول... ولَّتْ الأدبار صوب شيكاغو!

*شاعر وكاتب سوري - من كتاب زمان الوصل
(94)    هل أعجبتك المقالة (26)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي